في عيدها الثالث والستين…. الجامعة الأردنيّة أول فيوض العلم في الأردن
ما بين الماضي والحاضر تتشابك حكاية الجامعة الأردنيّة كـ ” لوحة فنية” تتلاقى فيها الخطوط والألوان لتصنع صورة متألقة من التميز والانفراد
خلـف قباب الجامعة الأردنيّة، وفي جـذور سروها القوي فرعه والممتد نحو السماء، تاريخ يوثق لنجاحاتها، ويحفظ بين سطور مخطوطاته وبطون ذاكرته العتيقة، سر تميزها، وأهمية دورها في إرساء أبجديات التغيير والتنوير، وصناعة المجد والرخاء للوطن وأمته، ومستقبلًا زاهرًا لأبنائه يعبق بشذى التراث والماضي، ويتطلع للمستقبل.
كان الأمل أكيدًا لما ستحققه من انتصارات أبصرت النور منذ لحظة بزوغ فكرة تأسيسها والحاجة إلى إنشائها، فأهدافها كانت واضحة، والخطة التي وضعتها جاءت محكمة ومدروسة، صاغت عبر سطورها أبرز أولوياتها لتجعل منها سبيلًا لفك شيفرة كلمة السر التي فتحت لها كل الأبواب، والتي تمثلت بالعلم، وأبحاثه وتطبيقاته، لتهزم كل الصعاب، وتواجه كل التحديات التي قد تعترض قطار تقدمها وتطورها.
وما بين الماضي والحاضر، تتشابك حكاية “الأردنيّة”، بوصفها لوحة فنية متكاملة، حيث تتلاقى الخطوط والألوان لتصنع صورةً متألقةً من التميز والإبداع، بفضل حكمة إدارتها وجهود أعضاء هيئتيها التدريسية والإدارية، وحماس واجتهاد طلبتها، كل على حد سواء، عملوا معا في بوتقة واحدة، لتشكيل مستقبل مشرق للأردن.
كانت رحلتها على امتداد السنوات كرحلة السفينة التي تشق عباب البحر، لتواجه التحديات وتتغلب عليها بفضل صمودها وإرادتها، ولالتزامها بقيمها ورسالتها، ما مكنها من أن ترسخ مكانتها كواحدة من أهم المؤسسات التعليمية في المنطقة، وتنشيء أجيال متعاقبة مؤهلة وقادرة على مواجهة تحديات المستقبل، يعلنـون مع صبيحة كل يوم، عن نهضــة جديــدة تشكلت نتاج تميزهــم وتفوقهــم في كافة المجالات، مثبتين للعالم كله أنهم أبناء أم الجامعات ودرّتها، ويضرب بهم المثل بعلومهم وقدراتهم وإمكانياتهم، ويشد بهم الأزر لرفعة الوطن وتقدمه.
واليوم وهي تكمل عامها الثالث والستين يحق لنا جميعا أن نفاخر باسمها؛ وأن نحتفل بها بوصفها منجزًا وطنيًّا وحضاريًّا وإنسانيًّا صنعه الأردنيون بكل حب وبمنتهى العزم والإرادة، لما سطرته من تميز عريق يستحق أن يروى في مختلف المحافل المحلية والإقليمية والدولية، ولا تزال جامعة فتية مشرقة كما الشجر الدائم الخضرة، تزهر بكل جمال ورونق، وتنبض مع مرور السنين عطاء وتميزًا، ما جعل منها درة شامخة وتاجًا يزين مسيرة الأوطان.
استفتاء ما قبل التأسيس
وقبل أن نحتفل بالمنجز، لابد أن ننثر بعضًا من تفاصيل الرواية التاريخية في حقبة زمنية محددة قد يتغافل البعض عنها، وقد تكون منسية، استوقفتها انعطافة تاريخيّة فارقة، كانت بحق مفصلية، لما تبعثه في الأنفس من سعادة وفخر وعمق في الانتماء، وذلك لما كشفته عن تنبؤات صائبة، تحالفت بتناغم مع رؤية ثاقبة وإرادة حكيمة لقيادة هاشمية لطالما كانت تنشد العلم والنور والرفعة، محدثة بذلك حالة استثنائيّة شكلت نتاج وطن علَتْ هاماته، وأضحت صرحًا شامخًا نقش على لبناته عنوان عزّه وفخاره، يستشعر به المرء ما إن تطأ أقدامه أولى عتبات بوابتها التي وسمت بالقباب.
مجريات تلك الحقبة تشير إلى استفتاء شعبي حول ماهية إنشاء جامعة في الأردن، عبر توجيه عددا من الاسئلة شملت : ما الكليات التي ترون الحاجة تدعو إلى تأسيسها أولًّا؟ وكيف يمكن تأمين الأساتذة لهذه الكليات؟ وهل ترون جعلها حكومية أم أهلية؟ وأين المكان المناسب لإقامتها؟
شارك في الاستفتاء الذي أجمع على ضرورة تأسيس جامعة في الأردن، كل من الأستاذ الشاعر عبد المنعم الرفاعي رئيس الوزراء آنذاك، والدكتور محمد صبحي أبو غنيمة، والأستاذ أنور نسيبة وزير التربية والتعليم آنذاك، والأستاذ صيَّـاح الروسان وكيل وزارة التربية والتعليم، والأستاذ راضي عبد الهادي مدير التربية والتعليم في القدس، والأستاذ بشير الصباغ رئيس الكلية العلمية الإسلامية (الوزير لاحقًا)، والأستاذ فايز الغول مدير دار المعلمين في حواره، والأديب الأستاذ عيسى الناعوري، والأديب الأستاذ يعقوب العودات “البدوي الملثم”، والفاضلة فائزة عبد المجيد، وقد كشفت ردود الاستفتاء عن اتجاهات النخب الأردنيّة والعربية تجاه الفكرة، وعكست حيوية المجتمع الأردني في ذلك الوقت، وتطوره فكريًّا وعلميًّا، والدليل على ذلك اعتماد الاستطلاعات معيارًا أساسيًّا لاتخاذ القرار.
وأمر الملك الراحل الحسين بن طلال آنذاك بتشكيل لجنة ملكية خاصة برئاسة الرئيس سمير الرفاعي لإخراج فكرة تأسيس جامعة أردنيّة إلى حيز التنفيذ، وتصدر على أثر ذلك الإرادة الملكية السامية بتأسيس أول جامعة في الأردن تحمل اسم الجامعة الأردنيّة.
من هنا توثبت “الأردنية” أولى عتبات النجاح، لتكون أول فيوض العلم بالأردن، عام 1962 عِندما صدرت الإِرادة الملكية بإنشائها في شمال عمّان، وأوعز جلالته بتوجيهاته إلى رئيس الوزراء آنذاك “وصفي التل” في إنشائها، إذ جاء في نص الإرادة الملكية السامية: “فإننا إيمانًا مِنا بهذا كله واستجابةً له وبالاستناد إلى المادة 40 من الدستور وبناءً على ما قرره مجلس وزرائنا نصدر إرادتنا بما هو آت: تؤسس في المملكة الأردنيّة الهاشمية جامعة تُدعى الجامعة الأردنيّة يكون مقرها موقع الجبيهة في عاصمة المملكة”.
وهذا ما حصل، تأسس مولود الأردن الأول في قطاع التعليم العالي، حاملًا اسمه في عام 1962، ليكبر مع مرور الوقت ويكبر اسمها، وتصبح بما سطرته من منجزات علمية وأكاديمية وبحثية أيقونة علمية يشار إليها بالبنان، لما أحدثته من انقلاب في مسيرة التعليم العالي، وشكلته من علامة فارقة في تهيئة النشء وإعداد الأجيال.
وعرفانًا بإسهاماته الجليلة وردًّا للجميل، منحت الجامعة الأردنيّة في 17 أبريل من عام 1965 ميلادي، الدكتوراه الفخرية لجلالة الملك الباني رحمه اللّه والذي عبر عن شكره بأن كرمها بلقب “الجامعة الأم”، لتكون أول درجة علمية وأول شهادة دكتوراه فخرية تمنحها أم الجامعات من نصيب جلالة الملك الحسين بن طلال رحمه الله، ليتسلم شهادته ويلقي كلمته السامية في مدرج الجامعة معبرًا عن فخره برؤية أجمل أحلامه وأغلى أمنياته قد تحققت، إذ قال حينها: “انطلقت كلماتي حارةً مؤمنة، تُعلن باسم الأسرة الأردنيّة الواحدة تأسيس الجامعة الأردنيّة في الأردن الغالي في اليوم الثاني من أيلول عام 1962، وها أنا ذا والحمد للّه أعيش لأشهد هذا الاحتفال الباسم بافتتاح الجامعة الغالية، وأسعد بأن أحمل شهادتها وردائها وشارتها، فألف حمدٍ للعلي القادر على كل ما أنعم وقدر”.
وبميزانية صغيرة قدرها25 ألف دينار، زيدت في ذات العام إلى 50 ألفًا، استطاعت الجامعة الأردنيّة أن تشق طريقها وتبدأ مشوارها التعليمي بمبنيين صغيرين، وبكلية واحدة هي كلية الآداب وبقسم واحد هو قسم اللغة العربية وآدابها، حيث استقبلت وقتها فوج طلبتها الأوّل الذي بلغ آنذاك (167) طالبًا من بينهم (18) طالبة، تخرج منهم (59) مطلع العام الدّراسيّ 1965/1966، ليتزايد عدد الطلبة الخرّيجين ويصل إلى (103) طلّاب في العام الدراسيّ 1966/1967، و(264) طالبًا في العام الجامعي 1969/1970 مع نهاية عقد الستين من القرن المنصرم، وقد تولّى الإشراف على سير العملية التعليمية في بداياتها، فريق من ثمانية أساتذة كبار من جنسيات مختلفة، فيهم الأردني والسوري والبريطاني والأميركي، وكان في مقدمتهم الأستاذان المرحومان: ناصر الدّين الأسد الذي شغل كرسي الأدب العربي، وعبد الكريم الغرايبة الذي شغل كرسي التّاريخ الحديث.
وبالرغم من التحديات التي اعترت طريق تقدمها وتطورها على امتداد مسيرتها التعليمية، وفي ظل محدودية الإمكانيات وقلة الموارد، إلا أنّ الجامعة الأردنيّة استطاعت أن تواصل مشوارها الطموح نحو البناء والتطوير، حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن؛ صرح أكاديمي بامتياز، قادر على تهيئة مناخ ملائم تتوافر فيه كل مقومات النجاح لطلبتها وتمكنهم من تحصيل علومهم بتفوق وبما يواكب متطلبات العصر، وإجراء البحوث المنتجة للمعرفة، وبناء جسور مجتمعية متينة ضمن بيئة جاذبة مستقرة ماليًّا ومحفزة للإبداع والابتكار والريادة.
والجامعة الأردنيّة اليوم تضم في بنيتها التحتية (120) مبنى موزعين على مباني الكليات والمراكز، والمرافق الإدارية وسكن الطالبات، وأيضًا مبانٍ استثمارية وأخرى للأنشطة الطلابية، كما تضم في هيكلتها (20) كليةً علمية وصحية وإنسانية ، وعمادتين هما: عمادة البحث العلمي، وعمادة شؤون الطلبة، و(19) مركزًا أكاديميًّا وعلميًّا وبحثيًّا في شتى الاختصاصات الإنسانية والعلمية والصحية، ومعهد واحد للصحة العامة، ومستشفى.
ويجلس على مقاعدها الدراسية زهاء الـ (54323) طالبًا وطالبةً من الجنسية الأردنيّة والجنسيات العربية والإسلامية التي فاق عددها (130) جنسيةً مختلفة، ويتولى عملية التدريس فيها نخبة من الأساتذة الذين يقارب عددهم الـ (1497) عضو هيئة تدريس موزعين ما بين رتبة: أستاذ، وأستاذ فخري، وأستاذ مشارك، وأستاذ مساعد، ومدرس، وباحثٍ رئيس، وباحث مساعد، يعملون في مختلف حقول العلم والمعرفة، فيما يتولى تنفيذ عملياتها ومهامها الإدارية كادر مؤهل وصل عدده زهاء الـ (2416) موظفًا موزعين ما بين وظائف إدارية، وحرفية، ومهنية، وفنية، وعليا.
وكونها عقدت العزم ضمن رؤيتها لأن تكون في مصافّ الجامعات العالمية، لم تتقاعس الجامعة الأردنيّة لحظة عن التوسع في البرامج الأكاديمية التي تطرحها، وبما يواكب متطلبات العصر، فقد بلغ عدد البرامج التي تطرحها على مستوى درجة البكالوريوس (106) برامج مختلفة، كما تطرح أكثر من (126) برنامجًا على مستوى درجة الماجستير و(8) على مستوى الدبلوم العالي، و(40) برنامجًا على مستوى درجة الدكتوراه، تم اعتماد (55) منها دَوليًّا.
ومع نهاية كل عام دراسي تحتفل الجامعة الأردنيّة بتخريج كوكبة متميزة من طلبتها وقد سلحتهم بشتى صنوف المعرفة العلمية و زودتهم بالمهارات والخبرات التي تمكنهم من المنافسة في سوق العمل المحلي والإقليمي والعالمي، لتكون مع انتهاء كل موسم تخريج قد أدت الأمانة ووفت بالوعد الذي قطعته على نفسها في إعداد أجيال المستقبل؛ ممن يتوسم فيهم الأمل والعطاء، وقد بلغ عدد خريجي الجامعة منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا الـ (299419) خريجًا حول العالم، ولتنوع خبراتهم ومهاراتهم التي وظفوها بعلومهم؛ فإنّ عددًا كبيرًا منهم قد تبوأ مراكز قيادية قد تصل إلى مرحلة صنع القرار، وشغلوا مناصب مرموقة في مختلف المؤسسات والقطاعات المحلية و الإقليمية والعالمية.
ولأنّ الجامعة تؤمن بفكرة تعميم التعليم الجامعي على محافظات المملكة، ولحرصها على تمهيد الطريق أمام الطلبة الراغبين في الالتحاق بالدراسة فيها من القاطنين بالعاصمة عمّان، أو حولها، قامت الجامعة بافتتاح فرع لها في ثغر الأردن الباسم في محافظة العقبة، فكانت بذلك أول جامعة في الأردن تخطو مثل هذه الخطوة، ويضم حاليًّا سبع كليات هي: اللغات، والأعمال، والسياحة والفندقة، ونظم وتكنولوجيا المعلومات، والعلوم الأساسية والبحرية، والتمريض والحقوق، وعدد من الدوائر والمكاتب الإدارية، يتولى عملية التدريس فيها ( 89) عضوَ هيئةِ تدريسٍ، فيما يتولى تنفيذ المهام الإدارية كادر بلغ عدده (115) موظفًا.
وخلال عمرها الذي بلغ ستة عقود، وسنوات ثلاث، عبقت مسيرة الجامعة بثروة من المكتسبات والانفرادات الأكاديمية والبحثية، وانفردت بسجل حافل بثقافة الإنجاز وصناعة الذات، جعل منها حالة فريدة ترصد تطورها كل مثيلاتها، مؤكدًا بحروف من ذهب أنّ الإرادة تحوّل الحلم إلى حقيقة، وأنّ العمل يجعل المستحيل ممكنًا، وأنّ الإيمان يمهد الطريق نحو مستقبل أكثر إشراقًا وتألقًا، فكانت بحقٍّ خيرَ من كان أهلًا للعزم حين دُعيت للعزائم .
المصدر: أخبار الأردنية
