الدكتور الزيود “عميد كلية العلوم التربوية في الجامعة الأردنية” يستعرض التوجهات المستقبلية لإعداد المعلمين في مؤتمر “التعليم نحو المستقبل: الأردن 2030”
شارك الأستاذ الدكتور محمد صايل الزيود، عميد كلية العلوم التربوية في الجامعة الأردنية، في مؤتمر “التعليم نحو المستقبل: الأردن 2030″، الذي نظمته مؤسسة سيبال للتدريب والاستشارات بالتعاون مع جامعة الطفيلة التقنية. وقد عُقد المؤتمر في مدينة البتراء، برعاية دولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة، وشكّل منصة نوعية لمناقشة مستقبل التعليم في المملكة الأردنية الهاشمية، واستشراف آليات تطوير مخرجاته من خلال دمج التقنيات والاستراتيجيات المستقبلية بشكل عملي ومبتكر.
جاءت مشاركة الأستاذ الدكتور الزيود لتسلّط الضوء على المحور الحيوي المتمثل في “التوجهات والابتكارات المستقبلية في إعداد المعلمين”. وفي مشاركته، أكد الدكتور الزيود أن التعليم من أجل المستقبل لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة ملحّة لإعداد أجيال قادرة على مواجهة عالم يتسم بالتغير التكنولوجي المتسارع، والتحديات المعقدة، والترابط المتزايد. وشدد على أن هذا النهج التعليمي الحديث يرتكز على تنمية مهارات أساسية لدى المتعلمين، تشمل القدرة على التكيف، والتفكير النقدي، والإبداع، والتعاون، وحل المشكلات، بالإضافة إلى تعزيز المواطنة العالمية المسؤولة، والوعي بأهمية التنمية المستدامة.
وفي سياق استعراضه للتوجهات المستقبلية في إعداد المعلم، قدم الدكتور الزيود رؤية متكاملة تستند إلى أفضل الممارسات العالمية والبحوث التربوية الحديثة. وأوضح أن التحول نحو نماذج الإعداد القائمة على الممارسة المكثفة يمثل أحد أبرز هذه التوجهات، حيث يتم التركيز على النماذج “الإكلينيكية” أو “برامج الإقامة”، التي تتيح للمعلمين المرشحين قضاء فترات تدريبية عملية ممتدة داخل المدارس، تحت إشراف دقيق من معلمين مرشدين ذوي خبرة، مما يضمن اكتساب الخبرات العملية اللازمة قبل الانخراط الفعلي في المهنة. وأشار إلى نجاح هذه النماذج في دول مثل فنلندا والولايات المتحدة.
كما أكد الدكتور الزيود الأهمية القصوى للتركيز على مفاهيم الإنصاف، والشمول، والاستجابة الثقافية في برامج إعداد المعلمين. ففي ظل التنوع المتزايد في الفصول الدراسية، أصبح من الضروري تأهيل المعلمين للتعامل بفعالية مع جميع فئات الطلبة، بمن فيهم المتعلمون متعددو اللغات، والطلبة ذوو الإعاقة، واللاجئون والمهاجرون. ويتطلب ذلك تبني مقاربات تربوية مناهضة للعنصرية، ومستدامة ثقافياً، كما هو مطبق في سياسات التعليم الشامل في كندا.
وتطرق الدكتور الزيود إلى الدور المحوري للتكنولوجيا الرقمية في التعليم المستقبلي، مشيراً إلى أن الكفاءة الرقمية أصبحت معياراً أساسياً في تدريب المعلمين. ويشمل ذلك تدريبهم على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل منصات التعلم التكيفي، وإدارة الفصول الدراسية الهجينة أو عبر الإنترنت، وتقييم المحتوى الرقمي بشكل نقدي. واستشهد بتجارب دول رائدة مثل إستونيا وسنغافورة التي وضعت أطرًا وطنية للكفاءة الرقمية للمعلمين.
وشدد عميد كلية العلوم التربوية على أهمية تعزيز المعرفة البحثية لدى المعلمين، وتدريبهم على استخدام بيانات الطلبة لاتخاذ قرارات تعليمية مستنيرة. وأوضح أن برامج الإعداد الحديثة تتضمن تدريبًا على منهجيات البحث التربوي، وتمكين المعلمين من تصميم وتنفيذ بحوث إجرائية بسيطة داخل فصولهم الدراسية لتحسين ممارساتهم، وهو نهج متبع في الجامعات الأسترالية.
وأكد الدكتور الزيود أهمية بناء الهوية المهنية للمعلم وتعزيز رفاهيته، مشيراً إلى أن برامج الإعداد المعاصرة تولي اهتماماً متزايداً بتضمين التعلم الاجتماعي العاطفي، واستراتيجيات إدارة التوتر، وبناء المرونة والصحة النفسية للمعلمين، وذلك اعترافًا بظاهرة الإرهاق المهني والحاجة الماسة لتوفير أنظمة دعم فعالة.
كما ناقش الدكتور الزيود التحول نحو التعليم القائم على الكفاءات، واستخدام الشهادات المصغرة والشارات الرقمية لإثبات اكتساب مهارات محددة ومستهدفة، مثل إدارة الفصول الدراسية أو تدريس مواد العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، مما يوفر مرونة أكبر في المسارات المهنية للمعلمين. وأبرز أهمية تعزيز الشراكات القوية بين الجامعات والمدارس في تصميم وتنفيذ برامج إعداد المعلمين، حيث يتم التعاون في تطوير المناهج، وتوفير الإرشاد، وإنشاء مدارس للتطوير المهني ومختبرات لتعلم المعلمين، كما هو الحال في هولندا والنرويج.
وتناول الدكتور الزيود أيضًا جوانب أخرى حيوية، تشمل مواءمة السياسات والمعايير الوطنية لضمان جودة برامج الإعداد، والتركيز المتزايد على تعليم (العلوم، والتكنولوجيا، والهندسة، والرياضيات)، والتدريس متعدد التخصصات، وتضمين تعليم المواطنة العالمية والاستدامة، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات في تطوير برامج الإعداد، وتوفير مسارات بديلة للحصول على شهادات التدريس لتلبية احتياجات سوق العمل، وتعزيز التنقل العالمي للمعلمين، وتبني مسارات تعلم شخصية ومرنة للمرشحين، والاهتمام بالتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة، وتطبيق ممارسات التأمل الذاتي ونماذج التدريب، وتنمية الكفاءات متعددة اللغات والثقافات، وترسيخ قيم التربية المدنية والديمقراطية، وتدريب المعلمين على المهارات الشاملة ومتعددة التخصصات، مثل التفكير التصميمي، وريادة الأعمال.
وفي ختام مشاركته، لخّص الأستاذ الدكتور محمد صايل الزيود رؤيته لمستقبل إعداد المعلمين، بالتأكيد على ضرورة التكامل بين التكنولوجيا والممارسة العملية، والتركيز المستمر على الإنصاف، والشمول، والكفاءات العالمية، وتبني المناهج القائمة على البحث والبيانات والأدلة. وأعرب عن تفاؤله بالتطور المستمر نحو نماذج إعداد أكثر تخصيصًا ومرونة، وقائمة على الكفاءات، بما يضمن تخريج معلمين قادرين على قيادة دفة التعليم نحو المستقبل المنشود في الأردن، وتحقيق أهداف رؤية الأردن في القطاع التعليمي.
تأتي مشاركة عميد كلية العلوم التربوية في هذا المؤتمر تأكيداً على الدور الريادي الذي تضطلع به الجامعة الأردنية في تطوير الفكر التربوي، والمساهمة الفاعلة في الجهود الوطنية الهادفة إلى الارتقاء بجودة التعليم ومخرجاته، لمواكبة متطلبات العصر والمستقبل.


