مؤشر النزاهة البحثية RI² يكشف عن تحديات خطيرة في الجامعات العربية ويدعو إلى إصلاحات عاجلة

في ظلّ التحولات المتسارعة التي يشهدها ميدان البحث العلمي، لم تعد المؤشرات الكمية كافية لتقييم جودة الإنتاج الأكاديمي. ومن هنا برزت الحاجة إلى أدوات تحليلية دقيقة تُعنى بقياس أبعاد النزاهة والأخلاقيات البحثية، باعتبارها أساسًا للثقة في المعرفة المنتجة. استجابةً لهذه الحاجة، طوّر البروفيسور لقمان محو في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB) مؤشرًا عالميًا مبتكرًا عُرف باسم RI² (Research Integrity Risk Index)، وهو أول مؤشر مركّب صُمّم خصيصًا لقياس المخاطر الأخلاقية في البحث العلمي. ويمثل هذا المؤشر نقلة نوعية في المشهد الأكاديمي العالمي، حيث يضع معيارًا جديدًا لتقييم مؤسسات التعليم العالي ليس فقط من حيث الكم، بل أيضًا من حيث جودة المحتوى ونزاهته.

منهجية المؤشر: قراءة معمّقة في النزاهة الأخلاقية للبحث العلمي

يعتمد مؤشر RI² على منهجية دقيقة تجمع بين معدل الانسحاب (R Rate) للأبحاث المسحوبة خلال عامين، ومعدل المجلات المحذوفة (D Rate) من قواعد البيانات العالمية نتيجة الإخلال بالمعايير الأكاديمية أو الأخلاقية. ويتم تطبيع هذين المعدلين إلى نطاق يتراوح بين 0 و1، ثم يُحسب المتوسط الحسابي لهما لإنتاج القيمة النهائية للمؤشر. وتعكس القيم الأعلى درجة أكبر من خطر الإخلال بالنزاهة البحثية، مما يسلط الضوء على الجوانب التي تستدعي معالجة فورية.

وتُصنّف الجامعات وفقًا لهذا المؤشر ضمن خمس شرائح: الخطر المرتفع جدًا (Red Flag)، الخطر المرتفع (High Risk)، قائمة المراقبة (Watch List)، الانحراف الطبيعي (Normal Variation)، والخطر المنخفض (Low Risk). ويعتمد هذا التصنيف على بيانات موثوقة قابلة للتحقق، مما يجعل RI² أداة فريدة تُسهم في رفع جودة البحث العلمي وترسيخ ثقافة الأخلاقيات في البيئة الأكاديمية.

نتائج الإصدار الأخير (يونيو 2025): مؤشرات صادمة وتباينات جغرافية لافتة

أظهرت نتائج الإصدار الأخير من المؤشر (يونيو 2025) صورة دقيقة ومعقدة لحالة النزاهة البحثية عالميًا، حيث شملت قاعدة البيانات أكثر من 42,732 ورقة علمية مسحوبة، و974 مجلة محذوفة من قواعد البيانات الكبرى، منها 855 من Scopus و169 من Web of Science.

وبلغ متوسط معدل الانسحاب العالمي حوالي 2.2 ورقة لكل 1000 ورقة منشورة، بينما سجلت تخصصات مثل الرياضيات معدلات انسحاب مرتفعة وصلت إلى 9.3 انسحابًا لكل ألف ورقة، مما يعكس تحديات منهجية وأخلاقية متأصلة في بعض التخصصات.

الجامعات العربية: غياب مقلق عن فئات النزاهة العالية

في السياق العربي، أظهرت النتائج واقعًا مقلقًا، إذ لم تُصنّف أي جامعة عربية ضمن فئات الأداء الجيد للنزاهة (Normal Variation أو Low Risk). في المقابل، برزت ثماني جامعات عربية ضمن فئتي الخطر المرتفع جدًا والخطر المرتفع، مما يدل على وجود فجوة مؤسسية في تبنّي ممارسات النزاهة البحثية.

  • جامعة الشرق الأوسط (الأردن): المرتبة 16 عالميًا – RI² = 0.559 – فئة Red Flag

  • جامعة البلقاء التطبيقية (الأردن): المرتبة 27 عالميًا – RI² = 0.471

فئة High Risk ضمّت:

  • جامعة شقراء (السعودية) – المرتبة 67، RI² = 0.351

  • جامعة المنوفية (مصر) – المرتبة 77، RI² = 0.329

  • جامعة بغداد (العراق) – المرتبة 81، RI² = 0.326

  • جامعة الموصل (العراق) – المرتبة 83، RI² = 0.320

  • جامعة المستقبل (مصر) – المرتبة 103، RI² = 0.288

  • الجامعة اللبنانية الأميركية – المرتبة 108، RI² = 0.277

  • جامعة ابن طفيل (المغرب) – المرتبة 118، RI² = 0.260

  • جامعة اليرموك (الأردن) – المرتبة 122، RI² = 0.255

يكشف هذا التوزيع عن غياب شبه كامل لأداء متميّز في النزاهة العلمية على مستوى العالم العربي، ويضع المؤسسات الأكاديمية أمام مسؤولية تاريخية لإعادة هيكلة منظوماتها البحثية، وتفعيل الحوكمة، وتشجيع ثقافة الالتزام.

التوزيع الجغرافي: مراكز خطر بارزة وآفاق للتعلّم

أشار التقرير إلى وجود تباينات جغرافية صارخة؛ حيث تبيّنت جنوب آسيا، وخاصة الهند، كمنطقة عالية الخطورة، إذ ظهرت 27 جامعة هندية في فئة Red Flag، مع تجاوز بعض الجامعات 30 انسحابًا لكل 1000 ورقة.

وفي المقابل، بدت أمريكا الشمالية وأوروبا أكثر توازنًا بفضل الأنظمة الرقابية الصارمة، رغم استمرار بعض التخصصات الحساسة – كالطب الحيوي – في تسجيل معدلات انسحاب مرتفعة.

أما منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والتي شملت 123 جامعة، فقد سجّلت نسبًا عالية من المخاطر، خصوصًا في إيران والسعودية ومصر ولبنان والأردن، مما يبرز الحاجة إلى إصلاح نظم الرقابة والمساءلة، وضبط الحوافز البحثية غير المتوازنة.

نقاط القوة والقيود: بين الشفافية والحدود المنهجية

يمتاز مؤشر RI² بدرجة عالية من الشفافية والاعتماد على قواعد بيانات موثوقة مثل Retraction Watch. كما يتم تحديثه نصف سنويًا، مما يسمح برصد التحولات وإعادة توجيه السياسات البحثية بمرونة.

إلا أنه يواجه بعض القيود، أبرزها:

  • عدم التفريق بين الانسحابات الناتجة عن أخطاء غير مقصودة وتلك الناتجة عن تزوير أو انتحال.

  • وجود تأخر زمني في تسجيل حالات الانسحاب.

  • تركيزه على المؤسسات ذات الإنتاج العالي فقط، ما قد يُخفي أداء مؤسسات أصغر أو ناشئة.

توصيات عاجلة: نحو إصلاح شامل للنزاهة البحثية

استنادًا إلى النتائج، يوصي المؤشر بمجموعة من الإجراءات التصحيحية، خاصة في السياقات العربية:

  1. وضع سياسات واضحة وصارمة لأخلاقيات البحث قابلة للتطبيق الفعلي.

  2. ترسيخ ثقافة مؤسسية تعزز من قيم النزاهة عبر التدريب والمساءلة.

  3. تمكين اللجان الأخلاقية وتدريب المحررين وهيئات التحرير.

  4. إعادة النظر في الحوافز المؤسسية التي تشجع على الكمّ دون الكيف.

  5. تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لتبادل الخبرات والتجارب.

خاتمة: دعوة إلى الصحوة الأكاديمية

يمثّل مؤشر RI² ناقوس خطر يقرع بشدة في أروقة الجامعات، لاسيما في العالم العربي. فهو لا يسعى إلى الإدانة، بل يدعو إلى المراجعة والإصلاح، ويضع أسسًا لثقافة بحثية تقوم على النزاهة والشفافية.

باتت مؤسسات التعليم العالي اليوم مطالَبة بأن تتعامل بجدية مع هذه المؤشرات، لا للحفاظ على السمعة الأكاديمية فحسب، بل من أجل بناء مستقبل علمي يسهم بحق في نهضة المجتمعات الإنسانية. فالنزاهة ليست ترفًا، بل شرط جوهري لأي علم نافع، وأي جامعة تطمح إلى الريادة.

حول مؤشر RI²

ما هو مؤشر RI²؟
هو أول مقياس مركّب عالميًا، صُمّم خصيصًا لتحديد وتصنيف المخاطر المرتبطة بنزاهة البحث العلمي على المستوى المؤسسي. طوّره البروفيسور لقمان محو في الجامعة الأميركية في بيروت، وجاء إطلاقه استجابةً للمخاوف المتزايدة من تأثير التصنيفات الجامعية العالمية التي غالبًا ما تعزز النشر الكمي وعدد الاستشهادات على حساب النزاهة العلمية.

ما وظيفة المؤشر؟
يقيس المؤشر أداء المؤسسات البحثية من خلال:

  1. معدل الانسحاب (R Rate): عدد المقالات المسحوبة لكل 1000 منشور، كمؤشر على وجود انتهاكات أخلاقية أو منهجية.

  2. معدل المجلات المحذوفة (D Rate): نسبة المنشورات التي ظهرت في مجلات حُذفت مؤخرًا من Scopus أو Web of Science لعدم استيفائها معايير الجودة.

يُحسب المتوسط بين هذين المعدلين لتحديد درجة المخاطر، وتصنّف المؤسسات ضمن خمس مستويات تتراوح بين “خطر مرتفع جدًا” (Red Flag) و”خطر منخفض” (Low Risk)، ويُستند في ذلك إلى قاعدة مرجعية مكوّنة من ألف جامعة من أكثر الجامعات نشرًا عالميًا.

لماذا هو مهم؟
لأنه يعيد توجيه البوصلة من الكمّ إلى الجودة والنزاهة، في مواجهة ممارسات مضللة شائعة مثل: النشر في مجلات مفترسة، التلاعب بالاستشهادات، أو تضخيم الإنتاج عبر تعدد الانتماءات.

لمن وُجّه المؤشر؟

  • للجامعات الراغبة في تقييم حوكمة البحث.

  • لوكالات التصنيف المهتمة بدمج مؤشرات الجودة الأخلاقية.

  • للجهات الرقابية والممولة.

  • للباحثين والصحفيين العلميّين.

معرفة أكثر
تُحدّث منصة RI² باستمرار وفقًا لأفضل الممارسات وردود المستخدمين، وتشمل خريطة تفاعلية تعرض متوسط درجات RI² حسب الدول. ومن المتوقع صدور التحديث المقبل لقاعدة البيانات في ديسمبر 2025.

المصدر: RI2 Research Integrity Risk Index

مواضيع ذات صلة