اليوم العالمي للمسرح مناسبة للإحتفاء بالمسرح وأهميته ودوره في رفع الذائقة الفنية الجمعية

بمناسبة الاحتفاء باليوم العالمي للمسرح الذي يصادف في 27 آذار من كل عام، أكد فنانون وأكاديميون خصوصية المسرح وأهميته ودوره في رفع الذائقة الفنية الجمعية.  وإن الهدف من الاحتفاء العالمي بالمسرح “أبو الفنون”، هو السعي إلى نشر المعرفة بقيمة النموذج الفني الذي يقدمه المسرحيون والتمتع بالفن لأجل الفن، في الوقت الذي يشهد فيه القطاع المسرحي عربيا تراجعا كبيرا لحساب الفنون الأخرى التي وجدت في تقنيات العصر الرقمي بوابة مشرعة للوصول إلى الناس.

هل ما زال المسرح جاذبا للجمهور؟

في ظل تطور الثورة الرقمية ومنصاتها المتعددة، يتبادر إلى الذهن تساؤل، حول إذا ما زال المسرح جاذبا للجمهور؟ يجيب عنه، عضو مجلس أمناء الهيئة العربية للمسرح، الكاتب المسرحي هزاع البراري، بالقول إن المسرح قادر على التكيف مع التقنيات الجديدة والحديثة، خاصة ما يتعلق بالذكاء الصناعي.

ويضيف إن كل هذه التقنيات والتطورات التكنولوجية يمكن أن يدخلها المسرح ضمن أدواته، سواء في إنتاج العروض أو في تقديمها للجمهور، ما يتطلب تغييرا في آليات التلقي عند الجمهور، في ظل إمكانية أن يكون المسرح أكثر انتشارا اعتمادا على التقنيات الرقمية الحديثة، بدليل أن المسرح منذ آلاف السنين يتكيف ويتطور مع تطور البشرية.

وفي هذا الإطار يبين “أنه سيكون أكثر جاذبية للجمهور مع استخدام هذه التقنيات الحديثة”.

ويرى مؤسس مسرح الشمس، المخرج الدكتور عبد السلام قبيلات، أن للمسرح خصوصية يحتفظ بها على مر العصور، كونها مرتبطة بطبيعة الإنسان الاجتماعية وخاصية التواصل، مبينا أن علاقة المجتمع بالمسرح هي علاقة طردية مع رغبته بالتواصل الاجتماعي.

يقول إن هذه الخصوصية تتميز بسحر العلاقة بين الخشبة والقاعة والممثل والجمهور، في مواجهة مباشرة، كما أن المسرح يعطي للجمهور دورا يؤديه بناء على هذه الشرطية، التي فيها تأثير متبادل بين الجمهور والقاعة، حيث يعطي الممثل فرضيته الفنية ويتقبلها الجمهور، فيحدث التأثير المتبادل المطلوب، في الوقت الذي تشجع فيه المنصات الاجتماعية على العزلة، كونها تحتل مساحات كبيرة في وقت الإنسان.

وتقول الفنانة الدكتورة نجوى قندقجي إن المسرح يمكن أن يبقى جذابا للجمهور لأن له خصوصيته، لأن المسرح حدث حي تفاعلي اجتماعي يجعله دائما جاذبا للناس، بدليل الحضور الكبير للعروض الأدائية والفعاليات الفنية المشابهة، ولهذا السبب يستطيع المسرح، أن يصمد أمام الثورة الرقمية، إذا ما توفرت له شروط النجاح وخرج من عزلته.

ويعتبر الناقد والأكاديمي الدكتور عمر نقرش، أن التقنيات الرقمية والتطور التكنولوجي كان لها أثر كبير على الفن المسرحي ايجابا وسلبا.

ويبين أن من شواهده الإيجابية، أنه حرر العروض المسرحية من نطاق الأماكن المغلقة ومجالها الضيق على الخشبة وصالات العرض إلى فضاءات متنوعة، ما أسهم بالتالي بفتح آفاق جديدة في الإخراج والسينوغرافيا، والتي أسهمت بدورها في تحقيق أبعاد جمالية جديدة في نظرية التلقي بوصفها وسيطا بين النص والعرض والمتلقي، فأخرجت المتلقي من دوره السكوني إلى دوره التفاعلي.

ويوضح أن التطور التكنولوجي أسهم في إنتشار المسرح جماهيريا واقتصاره على جمهور نخبوي فقط، فضلا عن دخول الخطاب المسرحي إلى مرحلة التعقيد البصري والتكنولوجي، ما يجعل فهمه وتفسيره وتأويله من الصعوبة بمكان بالنسبة للمتلقي.

الفنانة القديرة قمر الصفدي، ترى أن للمسرح خصوصيته التي لا يمكن أن تنهيها الثورة الرقمية أو التطور التكنولوجي، مشيرة إلى أن مشكلة المسرح تنحصر في كونه موجها للنخبة فقط، وهو النوع الذي يقدم ما يرتقي بالذائقة، بخلاف أنواع المسارح الأخرى.

حال المسرح وتفاعله مع المستجدات الحالية

عن حال المسرح وموقعه في ظل المستجدات السياسية والتحولات الاجتماعية والاقتصادية الحالية، ومدى قدرته على طرح قضايا تمس المواطن، أردنيا وعربيا، يوضح البراري، أن المسرح كأي جنس ابداعي يأتي كنص بين الأدب والابداع، وكعرض يبين العمل الفني، وهو بشكل أو بآخر استجابة لكل التحولات السياسية والاقتصادية والقضايا التي يعيشها الناس، سواء أكانت قضايا كبرى أو قضايا يومية معاشة.

ويقول إن المسرح هو استجابة لكل ذلك، وتتراوح هذه الاستجابة بأشكال مختلفة، فالمسرح ليس منعزلا عن هموم الناس وقضاياهم، إذ يطرح قضايا تمس المواطن سواء على الساحة المحلية أو العربية بأشكال ومستويات وآليات مختلفة.

من جهته، يرى قبيلات، أن تطور المسرح عموما يعتمد على سياسات الدول ورغبتها في التطور، حيث تهتم الدول المنتجة غالبا بدعم المسرح والثقافة عموما، لافتا إلى أن المسرح العربي يعاني من عدم الاهتمام بالابداع، ما أفقد المسرح قدرته على بناء الحالة السحرية في العلاقة بين الجمهور والمسرح، ما جعل المسرحيين يفقدون قدرتهم على الإبداع والخيال والتواصل مع الجمهور.

بدورها، تؤكد الدكتورة قندقجي، أن المسرح يعاني من شح وضعف الإنتاج وقلة الاهتمام وغياب الدعم الرسمي في معظم الدول العربية وعدم توفر مصادر تمويل بحجة أن المسرح غير جاذب للجمهور وعدم وجود ثقافة لدى الناس تؤمن بقوة المسرح وتأثيره وقدرته على الابداع، مع الاكتفاء ببعض المهرجانات الرسمية التي تقدم تجارب نخبوية، لكنها لا تؤسس لمسرح حقيقي يعيش مع الناس ويتحدث عنهم.

من ناحيته، الدكتور نقرش يرى أن المسرح له تأثيره الاجتماعي على الناس باعتباره معززا للتواصل البشري والحوار الاجتماعي، وكذلك يحفز على التفكير ورؤية الأمور من منظور آخر، ما يؤسس لثقافة مجتمعية جديدة ومواكبة تطورات المرحلة الزمنية سياسيا واقتصاديا، مؤكدا أن المسرح الأردني لم ينأ بنفسه عن الهم السياسي العربي، فمنذ بداياته وعبر مسيرته ومساراته، كانت القضية الفلسطينية محور اهتمامه وطموحه وقدمها بأساليب وأشكال فنية متنوعة بين الكوميديا والتراجيديا والميلودراما.

من جانبها، تقول الصفدي، إن المسرح دائما ما ينجح في الاقتراب من قضايا ومشاكل الناس وهمومهم، سواء الشخصية أم الجمعية، مبينة أن المسرح موجود لقول الكلمة الحرة بالأساس، وهو نافذة حرية لقول الكلمة التي يريد أن يقولها الأديب والكاتب والممثل والمخرج المسرحي دون عوائق.

أزمة نص مسرحي

في السؤال عن وجود أزمة كتاب نص مسرحي أردنيا وعربيا، يعلق البراري، من خلال تجربته كمحكم في كبرى المسابقات التي تقيمها الهيئة العربية للمسرح وغيرها من الجهات، أن الأعمال الجيدة والمتميزة التي اطلع عليها على صعيد النص، كانت قليلة جدا وسط كم كبير من الكتابة.

ويبين أن معظم النصوص المسرحية كانت تكتب بهدف الفوز بجائزة، دون معرفة كافية بالكتابة المسرحية وأدواتها وتقنياتها المختلفة، وبالتالي كانت كثير من هذه النصوص بشكل أو بآخر قريبة من القصة القصيرة أو رواية متوسطة، ولا تتعاطى مع النص بإعتباره نصا مسرحيا، لأن للمسرح لغة وبنية خاصة، تعتمد على الشخوص والصراع.

واستحضر البراري مثالا آخر على حالة النصوص المسرحية في الأردن، إذ يجد أن معظم مخرجي المسرح يكتفون بإعداد نصوص مسرحياتهم بأنفسهم، ولا يلجأون لكاتب مسرحي، ما أنتج نقصا في الكتابة المسرحية بسبب ابتعاد معظم كتاب المسرح لأنهم لم يجدوا لأنفسهم مكانا.

بدوره، يرى الدكتور قبيلات، أن مشكلة النصوص المسرحية بالأساس، ليست بالكتابة بل في الإبداع، كون المبدعون معزولين عن قضاياهم ومجتمعهم، لذلك لا يمكن للخيال الإبداعي أن يتم توظيفه في التواصل مع المجتمع والتعبير عنه وطرح قضاياه، وبالتالي لا يمكن أن يتطور ويصبح فاعلا ومؤثرا.

وبحسب الدكتورة قندقجي، فإنه من الطبيعي أن يصبح لدينا أزمة في النص المسرحي، كون التعامل مع المسرح يتم من خلال المهرجانات الرسمية السنوية، ولا يوجد أي نشاط مسرحي خارجها، لذا عندما يوجد المشروع المسرحي الشامل سيكون من السهل إيجاد نصوص مسرحية، لأن من يكتب ويبدع حاليا لا يجد مكانا يذهب إليه لعرض فكرته وعمله.

الدكتور نقرش الذي خالفهم الرأي، يؤكد أن المسرح العربي لا يعاني من أزمة نصوص، بدليل وجود كتاب لم يتركوا شاردة أو واردة إلا وكتبوا عنها نصوصا مسرحية على سوية عالية من التناول والمعالجة الدرامية.

ويشير إلى أن موضوع أزمة النص المسرحي بات لا يغني ولا يسمن من جوع، بعد أن أخذ من المد والجزر دور البطولة المطلقة لسنوات طويلة، عبر تاريخ المسرح العربي ومهرجاناته وملتقياته.

بينما تتفق الصفدي، مع الرأي السائد بوجود أزمة نص مسرحي، على صعيد محلي وعربي، على الرغم من وجود أسماء لها وزنها في عالم الكتابة الابداعية للمسرح، مؤكدة الحاجة إلى كتابات مسرحية تقترب أكثر من الإنسان وتجذبه للحضور، فضلا عن ضرورة وجود قاعدة أكبر من الأدباء المتخصصين بالكتابة للمسرح.

المصدر: وكالة الأنباء الأردنية – (بترا)

مواضيع ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *