التربية الأسرية بين تاء التربية و تاء التعلم عن بعد

التربية الأسرية بين تاء التربية و تاء التعلم عن بعد

الدكتورة نسرين عبدالحفيظ العفيشات، الأردن.

يبدو أن حرف التاء له سر عجيب جامع بين إحدى أهم العمليات الإنسانية ، فبين تاء التربية الأسرية التي تعرف بأنها تربية الفرد الطبيعية في الأسرة و أحد أهم وسائط التنشئة الاجتماعية المتكاملة ، فهي الوسيط الأول الذي ينمو فيه الطفل ، لينتقل بعده إلى عالم تاء التعلم و التعليم، ومما لا شك فيه أن كلا العمليتين مكملان لبعضهما البعض، لكن في ظل ما حدث من ظروف انتقال الطلبة إلى التعلم عن بعد، أطرح تساؤلا: هل أجبر التعلم عن بعد التربية الأسرية أن تنتقل إلى أدوار التعليم ، وهل جميع الأسر قادرة على أن تتقبل بسهولة هذه الأدوار التي أنيطت بها عنوة؟. بالنظر إلى أطراف عملية التعليم نجد أن الأسرة قد أصبحت طرفا رئيسا، بعدما كانت العنصر الذي يعد إعدادًا أوليًا لدخول الطالب المدرسة، و من ثم تقتصر مهمتها على المتابعة و المراقبة ، لكن ما فرضته أزمة الكورونا على الأسرة جعلت لها أدوارا هامة ، وجب عليها أن تتهيأ بل و تستنفر استعدادًا لهذه العملية، و إذا ما أوجزت المتطلبات التي بات على الأسر توفيرها، فإنها تنقسم إلى : متطلبات تكنولوجية، متطلبات تعليمية، متطلبات نفسية. ولا يقتصر الأمر هنا على توفير الأدوات التكنولوجية بل أصبح لزاما على الوالدين أن يطلعا و يتدربا على إدارة هذه الأدوات، و أن تنتقل رقابتهما إلى داخل هذه الأجهزة ، ليعرفا مدى التزام الأبناء بمتابعة المنصات التعليمية.

و إلى جانب هذا أصبحت الأم مطالبة بشكل أكبر بأن تبقى على اطلاع دائم على الحصص الصفية، و أن توفر الأجواء المناسبة و المساحات الهادئة التي تلائم الحصص الصفية التفاعلية خاصة، ليبدو ذلك المنزل الصغير غرف صفية ، و ساحات رياضية، و أن تتحول حتى أدوات المطبخ إلى أدوات تعلم، و ربما يقودني هذا إلى طرح تساؤلات عدة: هل اخترق التعلم عن بعد حرمات البيوت؟ و هل ازداد اطلاع المعلم على أسرار تلك البيوت التي يدخلها إلكترونيا؟ وهل لدى المعلم القدرة الكافية للتعامل مع ما يواجهه من ملاحظات مباشرة من أولياء الأمور، أو ما يحدث أمام الكاميرات من مشاكل أسرية، فالمعلم هنا أصبح من مهماته أيضا ليس إدارة حصته و طلبته، و إنما إدارة أولياء الأمور. و لعل عملية الضبط من أهم الأمور التي أصبحت الأسر مطالبة بها في ظل التعلم عن بعد، فعلى الوالدين مراقبة و متابعة انتظام أبنائهم في حضور الحصص الصفية، و كذلك ضبط سلوكاتهم ، و تزيد المهمة صعوبة مع الابن الرافض لهذا النوع من التعلم، ومن الواقع الحي هناك الكثير من الطلبة يرفضون حضور الحصص التفاعلية، و لا تجد الأم الحلول اللازمة لهذا العناد، و منهن من يترك الحبل على الغالب بعد محاولة أو محاولتين، و هذا يشير إلى خلل مسبق في عملية التربية الأسرية ، و غالبا هذه الفئة من الأسر ترفض التعلم عن بعد بشكل تام. ولعل هذا يقود إلى ضرورة تأهيل الأسر لكيفية التعامل السليم مع الأبناء في ظل هذا النوع من التعلم، حتى لا يكون الفاقد التعليمي أكثر ضررا ، وهذا ما تتحمله المؤسسات التربوية و التعليمية ، فعدم قدرة الأسرة على التعامل مع الجوانب التعليمية و النفسية للأبناء ، شكل خطورة كبيرة على مخرجات هذه العملية و الاستمرار بها.

وتتبع الأسرة عادة عدة أساليب أسرية في تربية أبنائها منها التقبل و الرفض ، و التسامح و التقييد، والإهمال والحماية الزائدة، و القسوة والحماية ، وبالقياس إلى أساليب التربية الأسرية هذه نجد أن بعضا منها قد وجد أساليب قد أعانته في عملية الضبط الأسري لابنائه، مما نتج عنها طالبًا ملتزمًا ذو دافعية عالية، و نتائج مميزة ، و أخرى لم تستطع السيطرة وفقدت بوصلة التوجيه، و بات التعلم عن بعد عبئا على الأم فقط ، والطالب غائبا عن المشهد. ولا أتحدث هنا عن الأم العاملة، بل هذا يشمل غير العاملة أيضا، مع ازدياد الصعوبات في حال كانت الأم عاملة أيضا. وقد بينت الدراسات أن نسبة الارتباط بين النظم الأسرية ومستوى التحصيل الطلابي في المدارس الأمريكية بلغت 43%، و بلغت نسبة الارتباط بين الخلفية الأسرية و التحصيل الطلابي في السعودية 50%، والعديد من الدراسات التي أجريت في كل من بريطانيا و كندا و أستراليا أن حوالي 50% من الفروق في مستوى التحصيل الطلابي يعود إلى العوامل المرتبطة بالخلفية الأسرية (2) ، ولهذا تتضح أهمية النظم الأسرية في تعزيز استمرارية التأثير على مستوى تحصيل الطالب بالرغم من الاختلاف بحسب المجتمع و الثقافة (1). الحديث حول حالة الارتباط الأبدي بين التائين يطول، و لعل الإجابات عن التساؤلات التي طرحت في هذا المقال ، يجب أن تكون محل دراسة و بحث، لتقود إلى تجويد عملية التعلم عن بعد و الحصول على مخرجات ذات جودة، و التقليل من الفاقد التعليمي و التربوي أيضًا، مما ينعكس إيجابا على الأسرة، و أركان العملية التعليمية و التربوية قاطبة.

  • لا يجوز الاقتباس واعادة النشر للمحتوى المنشور إلا بموافقة رسمية من موقع شؤون تربوية.

 

مواضيع ذات صلة