ماهية التربية الديمقراطية!

ماهية التربية الديمقراطية!

الدكتور محمد طه الزيود

تعد الديمقراطية من أكثر الموضوعات والقضايا التي حظيت بالدراسة والتحليل والتجريب وحتى النقد من قبل الدارسين والباحثين والمنظرين والسياسيين وغيرهم، بغية الوصول إلى فهمها والارتقاء بتطبيقها في مختلف المجالات إلى مستويات رفيعة، وقد جاء الاهتمام بها نتيجة الآثار الايجابية التي تركتها على المجتمعات التي آمنت بها وطبقتها من مثل الأمن والاستقرار والرفاه والرخاء، وتداول السلطة والعيش المشترك واحترام الآخر،  ودورها في بناء المجتمع الديمقراطي الحر الذي يتيح لأفراده أن يكونوا على درجة عالية من الوعي والثقافة تمكنهم من المشاركة الفاعلة في تقدم مجتمعاتهم وغيرها من الثمار التي تنعم بها دول العالم المتقدم، وقد أصبحت اليوم ضرورة من ضرورات التطور وتحديث المجتمع وليس من مظاهر الرفاه الحضاري، فمن خلال تطبيق القيم الديمقراطية يمكننا الوصول إلى مجتمع مدني قائم على المؤسسية والتعددية يحفظ للإنسان حقوقه الأساسية التي تقوم على العدل والمساواة  واحترام حرية التعبير عن الرأي وتقدير قيمة الإنسان ليكون قادرا على البدء بمسيرة التقدم في كافة النواحي السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتكنولوجية والتربوية وغيرها من مجالات الحياة.

 إن الوصول إلى المجتمع الديمقراطي لا يتم بسهولة كما قد يتصور البعض بل يحتاج إلى عمل جاد ومنظم يستهدف الأفراد وتربيتهم على مفاهيم جديدة، وفي هذا السياق يشير الجابري (1997) إلى أن الإنسان اليوم لم يعد مجردفردفيرعية، بل هو مواطن يتحدد كيانه بجملة من الحقوق التي في مقدمتها حق اختيار الحاكمين ومراقبتهم وعزلهم، فضلا عن حق الحرية، حرية التعبير وإنشاء الأحزاب والنقابات والجمعيات، والحق في التعليم والعمل، والحق في المساواة مع تكافؤ الفرص السياسية والاقتصادية.

و الديمقراطية  مفهوم مركب تنتظم فيه كينونة من الممارسات والعلاقات، والمبادئ الحرة التي يمكن أن تؤصل في الإنسان قيم العدالة، وحرية التفكير، وقيم النقد، والحوار، والعدالة واحترام الآخر، وقبول مبدأ المساواة، فهي منظومة القيم الإنسانية التي تقوم على مبدأ الحرية، والتواصل، والحق، والقبول سعياً إلى تحقيق الذات الإنسانية بكل ما تنطوي عليه من طموحات الوجود، والحضور والابتكار والإبداع” (الرميضي، 2010).

 ونشير في هذا الصدد إلي أن للديمقراطية العديد من المقومات والمبادئ العامة على رأسها الإيمان بقيمة الإنسان وكرامته، بغض النظر عن لونه وجنسه ومركزه، وأنه أداة التنمية وغايتها، وله حقوقه التي يجب عدم المساس بها، كحقه في الحياة، وحقه في توفير الأمن الشخصي، والحماية، والمعاملة العادلة، وحقه في الحرية الشخصية الملتزمة وحرية التفكير والتعبير عن أرائه،  وحقه في المشاركة في شؤون مجتمعه وفي صنع السياسات والقرارات، وحقه في التعليم والتدريب والثقافة والعمل، والإيمان بالفروق الفردية بين الناس، وأنها يمكن أن تكون مصدراً للتقدم والرخاء والسعادة لكل من الفرد والمجتمع إذا ما أحسن توجيهها والإفادة منها، والإيمان بقيمة التربية والتعليم في تقدم المجتمعات البشرية ونهضتها، فالتعليم هو مفتاح تطوير المجتمعات وتغيرها، ولا يمكن للديمقراطية أن تنجح في بلد يسوده الجهل وتتفشى فيه الأمّيّة (الخوالدة،2013، جعنيني،2010).

والديمقراطية ضمن هذا الإطار الشامل تتخذ وسائل ووسائط متعددة، لتصل إلى عقول وقلوب وممارسات الأفراد والجماعات، لتصقل شخصياتهم وتجذر ممارساتهم الديمقراطية الحضارية، لذلك ارتبطت الديمقراطية بالتربية والتعليم، باعتبار أن التربية والتعليم هما الأقدر على نقل محتوى الديمقراطية وكيفية ممارستها إلى أبناء المجتمعات. وأساس ذلك أن الديمقراطية هي أسلوب حياة يقوم على مبادئ مهمة للإنسان منها الحرية والإخاء والعدل والمساواة، وهي مبادئ تنمو تلقائيا في اتجاه ايجابي إذا ما أتيحت لها فرص النمو في اتجاه صحيح من خلال مؤسسات التربية المختلفة، لأن التربية تجرد الأفراد من قيود الجهل وتعرفهم بقدراتهم وإمكاناتهم، وتشجعهم على التمسك بحقوقهم والقيام بواجباتهم، وتساعدهم على أن يكونوا مواطنين على درجة عالية من الوعي والثقافة بما يمكنهم من المشاركة الفعالة في تقدم مجتمعاتهم، وتلك المبادئ والقيم لا يمكن تحقيقها إلا عن طريق التربية بمؤسساتها المختلفة (الأحمد وزيدان، 2006).

إن العلاقة بين الديمقراطية والتربية علاقة جدلية تبادلية تتوقف كل منهما على الأخرى ويتأثر بها، فبما أن الديمقراطية الصحيحة لا تتفتح إلا في مجتمع متعلم، كذلك فإن التربية لا تتم ولا تتطور ولا تتوسع فرص التكافؤ في التعليم إلا في جو ديمقراطي،  ولا يمكن أن تتحقق الديمقراطية في ميدان التربية والتعليم إلا في سياق ديمقراطي للحياة الاجتماعية (جعنيني، 2010)، وإذا كانت الديمقراطية ترتبط بكافة مجالات الحياة فإن ارتباطها بمجال التعليم والتربية أشد وأوثق، حتى أنه لا يمكن أن تتحقق الديمقراطية في أي مجتمع من المجتمعات إلا إذا ساد فيه التعليم، وعمّت فرصهُ بين جميع أفراده، وتأكد حق التعليم للجميع، فكلما اتسع التعليم في مجتمع من المجتمعات زاد تمسكه بالحرية والديمقراطية (الشيباني، 1986).

إن ارتباط التربية بالديمقراطية يقوم على إعداد الفرد إعدادا صالحا بحيث يكون هو محور العملية التربوية على أساس أنه فرد يعيش في مجتمع ديمقراطي، والتربية الديمقراطية هي جملة الاتجاهات والمواقف التي تشكل السمات الشخصية للفرد، والتي تحدد ميوله وأهدافه في مجال علاقاته الوجودية (الأحمد وزيدان، 2006)، فهي تشمل القيم السلوكية في داخل المؤسسات المدرسية وحقوق المشاركة، والحرية في إبداء الرأي والنقد والإدارة الديمقراطية للمدرسة، وتأسيس الحياة المدرسية على تقدير الفرد من قبل الآخرين، وتقديره لنفسه، واعتباره قيمة عليا في ذاته، وتعويده على المناقشة الحرة المنظمة (ديوي،1987).

ويرى الرميضي (2010) أن التربية الديمقراطية مفهوم مركب يتضمن ديمقراطية المدرسة (أو تكافؤ الفرص التعليمية) وتقوم على توفير التحاق الأفراد بالمؤسسات التربوية والتعليمية المختلفة بلا تمييز بين الأفراد على أساس اجتماعي أو عرقي أو ديني، ويتضمن الممارسة الديمقراطية في الوسط المدرسي و هي منظومة التفاعل التربوي القائمة على نسق العلاقات بين المعلمين والطلبة وبين الطلبة والطلبة وبين المعلمين والإدارة التعليمية، و الوعي الديمقراطي ويعني منظومة القيم الديمقراطية التي تتأصل في وعي الطلبة وثقافتهم، ومن أهمها: قيم التسامح، والحرية، وقبول الآخر، ونبذ التعصب، ورفض التمييز، واحترام حقوق الإنسان.

تتضمن التربية الديمقراطية ثلاثة أبعاد رئيسية، أولها: ديمقراطية التعليم وتشير إلى بناء النظام التعليمي، وتنظيم مدخلاته وعملياته وممارساته، بما يحقق تكافؤ الفرص للمتعلم، ويؤدي إلى تنمية شخصيته لأقصى ما تؤهله إليه قدراته واستعداداته وميوله، من دون أن يقف وضعه الاجتماعي والاقتصادي حائلاً أمام الالتحاق بالتعليم والارتقاء في السلم التعليمي، وثانيها: الديمقراطية في التعليم وتشير إلى إدارة النظام التعليمي وتنظيمه وهيكلته في المستويات الإدارية والتنظيمية المختلفة، المدرسية منها والإشرافية والمحلية والمركزية بأسلوب ديمقراطي يضمن المشاركة المؤسسية والتفاعل والتعاون مع جميع الفئات ذات العلاقة بالعملية التربوية داخل النظام التعليمي وخارجه، وثالثها تعليم الديمقراطية وتشير إلى تزويد المتعلم بالمفاهيم والمعلومات والمهارات والقيم والاتجاهات الخاصة بالديمقراطية، عن طريق معرفة التشريعات والمؤسسات والهياكل والممارسات الديمقراطية والنماذج العالمية ذات العلاقة، بهدف حصوله على تربية تساعده في المستقبل على ممارسة الحياة الديمقراطية والإسهام في بناء المجتمع الديمقراطي (أبوشعيرة وغباري ،2010).

وللتربية الديمقراطية مجموعة مختلفة ومترابطة من المهام، وهي تشتمل على تعلم الديمقراطية بهدف الحصول على المعرفة والوعي، ليكون ذلك ممثلاً ديمقراطياً في المواقف المستقبلية للقرارات والخيارات السياسية والاجتماعية،كما تشتمل على التعلم من خلال الممارسة في المجتمع المدرسي الديمقراطي، لاكتساب العادات الديمقراطية السليمة، ويتضمن هذا المفهوم أيضاً التعلم للديمقراطية ويتضمن البناء والتطوير المستمر للأشكال الديمقراطية للحياة المستندة على التعاون والتشارك في السياقات المحلية والوطنية والدولية Edelstein, 2011))، وهي تستند على جملة من المبادئ الديمقراطية أبرزها تكافؤ الفرص التعليمية، والذي يشير إلى عدم التفريق بين الناس في الحقوق والواجبات، وفي تحصيل العلم ومواصلة التعليم، انطلاقاً من حق الفرد في الحصول على العلم والثقافة دون تمييز، انطلاقاً من مواقع طبقية أو وراثية أو عرقية أو دينية أو جنسية (جعنيني، 2010).  إضافة إلى مبدأ وجود بيئة اقتصادية واجتماعية ملائمة، ووجود ممارسات ديمقراطية على مستوى المؤسسات الأسرية والتعليمية والمهنية، فالإنسان الذي لم يتعود ممارسة السلوك الديمقراطي في أسرته وفي مدرسته وفي عمله لا يتوقع منه أن يكون ديمقراطياً (الشيباني، 1986)، ذلك أن التربية الحرة لا تتحقق إلا في ظل وجود مجتمع متحرر من التسلط، لأنها ليست سوى نسق فرعي من النظم الاجتماعية تتأثر بها، وتستجيب لها، وتؤثر فيها أيضاً(السورطي، 2009).

يشير وطفة (1998) إلى أن السلوك الديمقراطي في العمل التعليمي ينطلق من المشاركة الاجتماعية والمساواة في هذه المشاركة، وفهم مشاعر الآخرين واهتماماتهم، وتقبل الآخرين على مبدأ المساواة، والاعتماد على لغة الحوار والإقناع، حيث تنمي العلاقات الديمقراطية الناتجة عن السلوك الديمقراطي، الحب والتقدير بين أطراف العملية الديمقراطية وتنمي القدرات التميزية عند الطلبة والمتعلمين عامة، بالإضافة إلى نمو الجانب المعرفي بصورة متسارعة ومتكاملة، ونمو الجوانب الاجتماعية وتكاملها في شخص المتعلمين، ونمو الثقة بالنفس والإحساس بالاستقلالية.

إن للتربية الديمقراطية بكافة مستوياتها دورا هاماً في تنمية شخصية الأفراد وبناء الوعي لديهم وتعزيز قدراتهم واستعداداتهم وتنمية وتطوير مهارات التفكير والإبداع والابتكار لديهم، وتعزيز روح المسؤولية بينهم، مما يخلق جيلاً واعياً متماسكاً ومساهماً بقوة في دفع عملية التنمية والتحديث، فلا تنمية بإنسان مقهور محطم الإرادة، وبذلك تبرز أهمية دور المعلمين من خلال ممارستهم لمبادئ التربية الديمقراطية، فالمطلوب منهم العدل في التعامل مع الطلبة، والمساواة بينهم في منحهم الفرصة الكافية لنمو قدراتهم، وأن يحرصوا على عدم فرض آرائهم عليهم بممارسة السلطوية، وتعزيز الثقة بالنفس وإقامة العلاقات السوية والمستمرة بين الطلبة بعضهم ببعض، وبينهم وبين المعلمين، ذلك أن التزامهم بالسلوك الديمقراطي يؤسس لحرية التعليم والتسامح والبهجة والاحترام.

المصادر:

  • أبوشعيرة، خالد وغباري، ثائر ،2010، نحو مفاهيم تربوية معاصرة في الألفية الثالثة، مكتبة المجتمع العربي للنشر والتوزيع.

  • الأحمد، عبدالعزيز و زيدان، أبوبكر ،2006، دور عملية التربية الأساسية في تنمية الوعي والممارسة الديمقراطية لدى طلبتها خلال فترة إعدادهم، دراسة ميدانية، مجلة كلية التربيةجامعة الإسكندرية، 16(3)،ص 118-190.

  • الجابري، محمد ، 1997، الديمقراطية وحقوق الإنسان، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية.

  • جعنيني، نعيم ،2010، الفلسفة وتطبيقاتها التربوية، عمان، دار وائل للنشر.

  • الخوالدة، محمد، 2013، فلسفات التربية التقليدية والحديثة والمعاصرة، الطبعة الأولى، عمان، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة

  • ديوي، جون

  • السورطي، يزيد ، 2009، السلطوية في التربية العربية، سلسلة عالم المعرفة (362)،الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

  • الشيباني، عمر،1986، ديمقراطية التعليم في الوطن العربي. طرابلس، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلام.

  • Edelstein,W. , 2011. Education for Democracy: reasons and strategies, European Journal of Education, 46(1), pp. 127-137.

 

 

مواضيع ذات صلة