التعليم الدامج في المدارس الأردنية: خبرات وتجارب رائدة في جلسة حوارية بالجامعة الأردنية

برعاية عميد كلية العلوم التربوية في الجامعة الأردنية الأستاذ الدكتور محمد صايل الزيود، نظّمت كلية العلوم التربوية، وبجهود طلبة الدكتوراة في قسم الإرشاد والتربية الخاصة ومشرفهم الأستاذ الدكتور إبراهيم زريقات، ندوة حوارية بعنوان «التعليم الدامج في المدارس الأردنية: خبرات وتجارب رائدة»، بحضور أكاديمي ورسمي وتربوي واسع، افتُتحت بالسلام الملكي الأردني، تلاه تلاوة عطرة من آيات القرآن الكريم، في إطار علمي حواري هدف إلى تسليط الضوء على واقع التعليم الدامج في الأردن وتجارب تطبيقه العملية وآفاق تطويره.

وفي مستهل الندوة، جرى الترحيب بالحضور الكريم من أصحاب السعادة والأساتذة والضيوف، مع التأكيد على أهمية موضوع الندوة ودورها في تبادل الخبرات وتعزيز الممارسات التعليمية الدامجة في المدارس الأردنية. وأكدت الكلمة الافتتاحية أن التعليم الدامج لا يُعد مشروعًا تربويًا مؤقتًا، بل يمثل قيمة تربوية وإنسانية راسخة تهدف إلى ضمان حق كل طالب في التعليم والمشاركة الفاعلة داخل المدرسة والمجتمع، مشيرة إلى أن عنوان الندوة يعكس تجارب أردنية واقعية رائدة تؤكد انتقال الدمج من الإطار النظري إلى التطبيق العملي اليومي في المدارس.

وفي كلمته راعيًا للندوة، رحّب الأستاذ الدكتور محمد صايل الزيود بالحضور من الزملاء الأساتذة، وطلبة برنامج الإرشاد في التربية الخاصة، وطلبة الدبلوم العالي لإعداد المعلمين، وممثلي الجهات الرسمية والأهلية، معربًا عن اعتزازه بعقد هذه الندوة التي تعكس توجهات الجامعة الأردنية في دعم القضايا التربوية المعاصرة. وأشار إلى أن الدعم المستمر الذي تقدمه جلالة الملكة رانيا العبدالله لقطاع التعليم في الأردن أسهم في رفع مستوى التعليم على المستويين العربي والدولي، مؤكدًا أن الأردن بات يحتل مكانة مرموقة في المجالات التعليمية بمختلف قطاعاتها.

وأضاف الزيود أن التعليم العالي في الأردن يواكب أحدث الوسائل التعليمية العالمية، وأن الجامعة الأردنية تحرص على مواكبة التطورات واستحداث تخصصات رائدة في مجال التعليم، انسجامًا مع احتياجات المجتمع ومتطلبات المرحلة، مؤكدًا أن ما تحقق من إنجازات يحتاج إلى مزيد من العزم والإرادة وحسن الإدارة لضمان الاستمرار في هذا التميّز. كما أشار إلى أن الأردن، رغم محدودية الإمكانيات وشح الموارد في بعض المجالات، استطاع تحقيق إنجازات نوعية في مختلف القطاعات، لافتًا إلى استقطاب مؤسسات التعليم العالي ما يقارب (55) ألف طالب من مختلف دول العالم، ودور القطاع الصحي الأردني في تقديم الرعاية والعلاج لأبناء المنطقة، بما يعكس صورة حضارية مشرقة للوطن.

وشدد الزيود على أهمية الاستفادة من التجارب المعروضة خلال الندوة والعمل على نقلها وتعميمها، مشيدًا بالمشاركة الإنسانية المؤثرة للسيدة سارة، والدة الطالبة ديلارا، وكل أسرة قدمت نموذجًا في التفاني والإيجابية في دعم أبنائها من ذوي الإعاقة. وأكد أن العطاء الإنساني لا يزال حاضرًا، وأن الإنسان يستحق الدعم والتمكين بغض النظر عن ظروفه أو إمكانياته، مشددًا على أن دعم الأشخاص ذوي الإعاقة مسؤولية أخلاقية وإنسانية مستمرة، وليست مجرد واجب عابر.

وفي الإطار العلمي للندوة، قدّم الأستاذ الدكتور إبراهيم الزريقات مداخلة تناول فيها تطور مفهوم التعليم الدامج في الأردن، موضحًا أن هذا المفهوم ليس جديدًا، إلا أنه شهد اهتمامًا متزايدًا خلال السنوات الأخيرة، وأصبح اليوم حقًا إنسانيًا وضرورة تربوية واجتماعية، لا خيارًا إضافيًا. وأكد أن التعليم الدامج يضمن حق جميع المتعلمين، ولا سيما الأشخاص ذوي الإعاقة، في المساواة وتكافؤ الفرص والاندماج الكامل في العملية التعليمية، مستعرضًا دور السياسات والتشريعات الدولية الداعمة لهذا الحق منذ مؤتمر سالامانكا عام 1994.

وأشار الزريقات إلى أن الأردن حقق تقدمًا ملحوظًا في مجال التعليم الدامج من خلال التوسع في المدارس الدامجة، واستحداث برامج داعمة للتعليم الشامل، ما جعل التجربة الأردنية نموذجًا رائدًا في العالم العربي، مدعومًا بتشريعات واضحة واستفادة من الخبرات الدولية. كما بيّن أن الانتقال من نموذج تدريجي محدود إلى نموذج شامل قائم على الحقوق والتكامل الاجتماعي أصبح واقعًا ملموسًا، مع التأكيد على أهمية الشراكة مع الأسرة ودمجها في العملية التعليمية لتعزيز الوعي والمشاركة المجتمعية، مؤكدًا أن التجربة الأردنية ناجحة لكنها تتطلب مواصلة الجهود لمواجهة التحديات وضمان استدامة التعليم الدامج.

وفي محور تجربة الدمج من منظور الأسرة، شاركت السيدة سارة أبو عريشة، والدة الطالبة ديلارا المصابة بالشلل الدماغي منذ عامها الأول، معربة عن سعادتها وشرفها بالمشاركة في الندوة. وأكدت أن التعليم الدامج ليس مجرد سياسة تعليمية، بل التزام وطني يهدف إلى توفير فرصة تعليم عادلة وشاملة لجميع الطلبة باختلاف قدراتهم واحتياجاتهم ضمن بيئة تعليمية آمنة ومحفزة. وأوضحت أن بداية تجربتها كانت مليئة بالقلق والخوف، إلا أن التحاق ابنتها بالمدرسة شكّل نقطة تحول إيجابية بفضل الدعم والترحيب من إدارة المدرسة وفريق التعليم الدامج متعدد التخصصات، مما انعكس على شعورها بالأمان ورغبتها في المشاركة الفاعلة، وعزّز ثقتها بنفسها وانتماءها للبيئة المدرسية.

وتناولت الجلسة الحوارية التي حملت عنوان «التحديات التي تواجه التعليم الدامج وأبرز الحلول لمواجهتها» مجموعة من المعوقات التي تعترض تطبيق التعليم الدامج في المدارس الأردنية، من بينها الاكتظاظ الصفي الذي يحدّ من فرص التواصل الفردي بين المعلم والطالب، وقلة الكوادر التعليمية المؤهلة، ومحدودية الوسائل التكنولوجية الداعمة، والنظرة الاجتماعية السلبية نحو التعليم الدامج، إضافة إلى محدودية الموارد المخصصة له. وأكد المتحاورون ضرورة توفير حلول عملية تهيّئ بيئة تعليمية دامجة تتيح للطلبة ذوي الإعاقة التفاعل والمشاركة الفاعلة في العملية التعليمية.

كما استعرض الأستاذ أسامة المساعفة، ممثل المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، طبيعة عمل المجلس في ضوء أحكام قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم (20) لسنة 2017، موضحًا أن القانون ينص على ضمان حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وتحقيق المساواة بينهم وبين الآخرين في مختلف جوانب الحياة، ويهدف إلى تعزيز مشاركتهم الفاعلة في المجتمع، وتحديد حقوقهم، ووضع التشريعات اللازمة لضمان حصولهم على فرص عادلة في التعليم والعمل والخدمات الصحية وغيرها من الحقوق الأساسية، مشيرًا إلى دور المجلس في تحسين بيئة التعليم الدامج ومتابعة تنفيذ السياسات ذات الصلة.

وشهدت الندوة فقرة مؤثرة تمثلت في عرض قصة نجاح الطالبة أسيل الدقم، طالبة الدكتوراه في التربية الخاصة، التي جسّدت نموذجًا ملهمًا لقوة الإرادة والدعم الأسري والمؤسسي في تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة. وأوضحت أن إعاقتها البصرية التي اكتُشفت في سن مبكرة لم تكن عائقًا أمام مسيرتها التعليمية والإنسانية، بفضل إيمان أسرتها بها واحتضانها المستمر، مؤكدة أن ما حققته هو ثمرة منظومة دعم تربوي ومجتمعي آمنت بأن التعليم حق وتمكين لا شفقة ولا استثناء، كما استعرضت تجربتها المهنية والإنسانية ومبادراتها الهادفة إلى تعزيز الوعي المجتمعي بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

كما أُشير إلى أن الندوة استهدفت بشكل خاص طلبة الدبلوم العالي لإعداد المعلمين قبل الخدمة، بوصفهم معلمي المستقبل، نظرًا لدورهم المحوري في تطبيق التعليم الدامج وتهيئة بيئات صفية شاملة تقوم على الوعي التربوي والتخطيط السليم والإيمان بحق كل طفل في تعليم عادل وشامل. وتم التأكيد على أن المعلم يُعد الشريك الأساسي في تحقيق الدمج الفعّال، وأن المدرسة الدامجة تمثل البيئة التي تكفل تكافؤ الفرص التعليمية وتدعم النمو الأكاديمي والاجتماعي لجميع الطلبة.

وتخللت الندوة فقرات غنائية تراثية ووطنية قدّمها كورال مدرسة أم عبهرة الثانوية المختلطة للبنات في لواء وادي السير، نالت إعجاب الحضور، وعكست روح الانتماء والولاء للوطن، وجسدت نموذج الدمج الحقيقي كما يعيشه الطلبة في الأنشطة المدرسية اليومية.

ويُذكر أن التعليم الدامج يُعد أسلوبًا تعليميًا يهدف إلى دمج الطلبة ذوي الإعاقة مع أقرانهم في الصفوف الدراسية العادية، بما يوفر لهم فرصًا متساوية في التعليم والمشاركة في الأنشطة المدرسية، ويركز على توفير بيئة تعليمية شاملة تراعي احتياجات جميع الطلبة، من خلال تقديم دعم أكاديمي واجتماعي يسهم في اندماجهم الطبيعي في المجتمع المدرسي.

وحضر الندوة مدير مشروع الدبلوم العالي لإعداد المعلمين الدكتور عمر الخطاطبة، واعضاء الهيئة التدريسية في برنامج الدبلوم العالي لاعداد المعلمين وطلبة البرنامج، وعدد من ممثلي المجلس الأعلى لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ونخبة من الخبراء الاجتماعيين والتربويين، ونواب ومساعدي عميد كلية العلوم التربوية، وأعضاء الهيئة التدريسية في الكلية، إلى جانب طلبة الدراسات العليا، في تأكيد واضح على أهمية الشراكة الأكاديمية والمجتمعية في دعم التعليم الدامج وترسيخه بوصفه حقًا أصيلًا وقيمة إنسانية راسخة في المجتمع الأردني. المصدر : شؤون تربوية ، وأخبار الأردنية

مواضيع ذات صلة