الدرس الأخير: تاريخ الفن لا يُعلّم الفن فقط، بل يُعلّم الديمقراطية الفصل الدراسي بوصفه مرآة ثقافية لمجتمع قادر على تقبّل الاختلاف

سارة روجرز موريس 

أنا من الجيل الذي يذكر أجهزة عرض الشرائح مقاس 35 ملم، التي كانت تُستخدم قديمًا في دروس تاريخ الفن. كطالبة، كنت أجد صوت التهوية الهادئ والمستمر لتلك الأجهزة مهدئًا للأعصاب. وكانت النقرة الناعمة “كليك” تتبعها “فُت” عند انتقال الشرائح تُضفي على المحاضرة إيقاعًا مريحًا ومنتظمًا. وغالبًا ما كان المصباح ينفجر أو تتعطل الشريحة، مما يستدعي توقّف المحاضرة وتدخّل فني ماهر.
اليوم، تخلّصنا من هذه الإشكالات التقنية القديمة، لكن هناك عنصرًا واحدًا من نظام عرض الشرائح التقليدي يجب الحفاظ عليه، بل والتمسك به أكثر من أي وقت مضى: المقارنة البصرية.
إن تحليل صورتين متمايزتين جنبًا إلى جنب علّمني كيف أفكر.

كانت القاعة التي درست فيها مقررات تاريخ الفن الأولى مصممة خصيصًا لتسهيل المقارنة البصرية. كان هناك جهازي عرض في كابينة إسمنتية يطلّان من نافذتين صغيرتين، ويعرضان صورتين على شاشتين متجاورتين في مقدمة القاعة. هذا التصميم المادي والتقني عزّز ممارسة تعليمية تعود جذورها إلى عروض “الفانوس السحري” في القرن التاسع عشر.
لا أذكر مظهر القاعة بدقة، بل أذكر فقط أنها كانت مظلمة دائمًا إلى حدٍّ جعل الوجوه غير واضحة. حتى الأستاذ، الواقف على الهامش خلف المنصة، لم يكن أكثر من ظل باهت بجانب الشاشات اللامعة التي كانت تعرض كل أنواع الأعمال الفنية. كانت الأرضية مغطاة بسجاد أسود ناعم، والجدران مكسوّة بألواح عازلة للصوت لامتصاص أصوات الزحام، والكحّة، والهمسات، وخطوات الأقدام في الخارج.

كان لتلك القاعة طابع يشبه الرحم، يُركّز النظر ويشحذ العقل. كانت تجمع الأشياء معًا وتضعها في مقابل بعضها البعض، لا سيّما أثناء الامتحانات التي تُعرض خلالها صور مزدوجة لأعمال فنية، ويُطلب من الطلبة فكّ لغز عقلي: لماذا، رغم الفوارق الكبيرة بينهما، وُضع هذان العملان جنبًا إلى جنب؟
يتطلب التمرين إدخال الصورتين في حوار، ثم تتبّع هذا الحوار المتدفّق من خلال الكتابة.

على سبيل المثال، يمكن مقارنة تحفة مقدسة مرصعة بالجواهر تعود إلى القرن الحادي عشر، مجسّدة في هيئة قديس كاثوليكي، مع صفحات مذهّبة من مخطوطة قرآنية قديمة.
ورغم التباين الزمني والثقافي والجغرافي والفني بينهما، فإن كلا العملين يُضفي على الجمال المادي معنى روحيًا.
تفتح هذه المقارنة الباب أمام روابط بين الأديان، وتُتيح للطالب التعرّف على عناصر مألوفة ضمن سياقات غريبة. إنها درس في البحث عن التماسك وسط الاختلاف.
ليس الهدف تذويب الاختلافات، بل استخراج المعنى منها. يجب على الطالب أن يتأمّل أوجه التشابه والتنافر التي يصعب التوفيق بينها، ويتدرّب على احتضان التناقض دون رفضه.

المقارنة البصرية علّمتني كيف أفكر
اليوم، ولأسباب عديدة، تواجه أساليب تدريس تاريخ الفن خطر الاندثار، كما اندثرت أجهزة العرض القديمة.
لكن القضية تتجاوز فقدان تقليد أكاديمي؛ فالمقارنة البصرية تُنمي مهارات التفكير الضرورية للحياة الديمقراطية، خاصة في عالم تتسع فيه الانقسامات.
في القاعة الدراسية، تشجّع مقارنة الأعمال الفنية من حيث الشكل الطلاب على البحث عن المعنى في مناطق التلاقي بين أشياء لا يُفترض بها أن تتقاطع.
وهذا بدوره يُترجم إلى درس في التعددية: كيف نتفاعل داخل المجال العام مع أناس يختلفون عنا في التفكير والسلوك، ومع ذلك نتعايش ونعمل معًا لبناء عالم مشترك.

ورغم أن المقارنة البصرية لم تندثر بعد، فإن تاريخ الفن يواجه تهديدًا وجوديًا أوسع.
فالخفض في تمويل التعليم العالي، وتراجع أعداد الطلبة، وارتفاع الرسوم الدراسية، وتغيّر دوافع الطلاب، وتراجع الدعم الشعبي للتعليم العالي، كلها عوامل تُهدد برامج تاريخ الفن بالانكماش أو الإغلاق.
وتطغى البرامج التي تركّز على المهارات العملية المرتبطة بسوق العمل على تلك التي تنتمي إلى التقاليد الإنسانية والفكرية الحرة.
المقارنة البصرية – وهي ركيزة في تدريب المؤرخين الفنيين – قد لا تُظهر فائدة عملية مباشرة، لكنها تمتلك قوة لا يُستهان بها في تحفيز الفكر العميق المفتوح.

كثيرًا ما يُقال إن العلوم الإنسانية مهمة لأنها تُنمي التفكير النقدي.
لكن ما معنى ذلك؟ وما الذي نخسره إذا فشلنا في التفكير نقديًا؟
في تحليلها لمحاكمة أدولف آيخمان – أحد النازيين المسؤولين عن ترحيل اليهود إلى معسكرات الموت – جادلت الفيلسوفة حنة أرندت (عام 1963) بأن شرّ آيخمان لم يكن ناتجًا عن قناعة أيديولوجية أو غباء، بل عن غياب التفكير.
لم يكن شريرًا بالفطرة، بل موظفًا سطحيًا، تعلّق بلا تفكير بالإجراءات وانسحب من الواقع، فمارس الشر دون وعي.

أما كتابها الأخير “حياة العقل”، فهو تأمل فلسفي طويل في السؤال: هل يمكن أن يكون التفكير حاجزًا أمام الشر؟
لم تصل أرندت إلى إجابة حاسمة، لكنها وصفت التفكير بأنه بحث عن المعنى لا عن الحقيقة المطلقة.
وبهذا المعنى يمكن فهم أهمية مقارنة الأعمال الفنية: هل يمكن أن تُلهمنا مهارات التأمل المكتسبة في القاعة الدراسية إلى حياة فكرية خارجها؟
هل جعلني التدريب على المقارنة بين صور غير مرتبطة أكثر وعيًا، وأقل عرضة للوقوع في فخ اللاوعي المدمر؟

تعتبر أرندت أن البحث عن الاتساق وسط التباين جوهري في البحث عن المعنى، سواء في الحياة الخاصة أو العامة.
وتستشهد بمقدرتنا على استخدام الاستعارة كدليل: حين نقول “الصخرة رمز للصمود” أو “الشيخوخة غروب الحياة”، فإننا نربط بين أشياء لا علاقة ظاهرية بينها.
وهذا النوع من التفكير التناظري هو ما يتعلمه طالب تاريخ الفن: صناعة المعنى من خلال التباين.

وتتابع أرندت بأن هذا النوع من التفكير يُهيئنا للحياة العامة، أي الحياة مع آخرين مختلفين، لا يجمعهم سوى قدرتهم على التفكير.
وتكتب في مقالها “الحقيقة والسياسة”:

“كلما تنوّعت وجهات النظر التي أضعها في ذهني أثناء تفكيري في مسألة ما، وكلما استطعت أن أتخيل كيف سيكون شعوري لو كنت مكانهم، زادت قوتي على التفكير التمثيلي، وازدادت صلاحية استنتاجاتي وآرائي.”

التفكير التناظري يُساعدنا على الدخول في حوار مع أفكار وآراء تختلف عن أفكارنا.
والمقارنة البصرية هي ببساطة تدريب على هذه العادة العقلية. إنها تُعلمنا الجلوس مع التعقيد والتناقض، والبحث عن الوضوح في خضمّهما.

المقارنة البصرية تدريب على التفاعل السياسي
ليست المقارنة البصرية وسيلة لحل قضايا مثل الهجرة، أو الإجهاض، أو التطعيم، أو المناخ، أو السلاح، لكنها تمنحني شعورًا بالأمل في إمكانية تجاوز الانقسامات.
إذا استطعت أن أجد نقطة التقاء بين ذخيرة دينية من العصور الوسطى ومخطوطة قرآنية، فربما أستطيع أن أجد قاسمًا مشتركًا مع أشخاص تختلف رؤاهم عن رؤيتي.

قاعة درس تاريخ الفن ليست دائمًا مكانًا للهدوء والتأمل، بل هي أحيانًا فضاء للنقاش الحي.
كأستاذة، أشجّع طلبتي على طرح الأسئلة، وإبداء الاعتراض، والمشاركة الفاعلة.
في هذا السياق، يتحول التفكير من عملية فردية إلى تجربة جماعية.

وفي هذا الإطار، تمثل لوحة “مدرسة أثينا” لرافائيل – التي تُعرض عادة في دروس التمهيد – تجسيدًا حيًا لحيوية النقاش العقلي.
فعلى خلاف القاعة المعتمة التي درست فيها، تُصوّر اللوحة قاعة فسيحة، مضاءة، ومفعمة بالحركة.
نرى فيها فلاسفة وعلماء وفنانين: بعضهم واقف بثبات، وآخرون يتجادلون بحماسة، وغيرهم ينحنون ليدرسوا أو يكتبوا.
في مركز اللوحة، يقف أفلاطون مشيرًا إلى الأعلى (عالم الأفكار)، وأرسطو مشيرًا إلى الأسفل (عالم الواقع).
ويُعاد التوازن بين فلسفتيهما المتضادتين من خلال المعمار المتناظر الذي يحتضنهما.

مثل هذه اللوحة، تمثل قاعة درس تاريخ الفن نموذجًا لثقافة سياسية مثالية: مكانًا يتعايش فيه الاختلاف بطريقة منتجة.
فهي ليست فقط مكانًا لتعلّم تاريخ الفن، بل مكانًا لتعلّم كيف نفكر ونتصرف بطريقة ديمقراطية.

المصدر: chronicle.com

مواضيع ذات صلة