التشاركية في المعرفة! 

التشاركية في المعرفة! 

الدكتور مأمون عبد الحفيظ، الأردن

لقد تطور مفهوم “المعرفة” من مستویاتها البدائیة حتى وصل إلى ما علیه الآن، إلا إنالجدید في هذا المفهوم هو حجم تأثیره على الحیاة الاقتصادیة والاجتماعیة، وعلى نمو الإنسان، ومن المؤكد أن التقدم والتطور الهائل في تقنیة المعلومات الذي یشهده القرن الحالي والذي یعتبر أكبر تغییر في الحیاة البشریة، والذي مكن الإنسان من فرض سیطرته على الطبیعة، وأصبح عامل التطور في مجال المعرفة أكثر تأثیراً في الحیاة من بین العوامل المادية الأخرى (عودة، 2010).

ورغم اختلاف المربین في نظرتهم إلى طبیعة المعرفة تبعا للتطورات الفكریة التي حدثت في العالم، إلا أن هناك إجماع بأنه یجب أن ندخل مجتمع المعرفة ونحن ندرك أن المعرفة هي الوقود الأساسي للنمو والتقدم، وهذا یتطلب فهما أساسیا لماهیة المعرفة (العتیبي، 2007). لقد أدى الانفجار المعرفي إلى عدم القدرة على الإلمام بجميع المعارف، وظهرت مفاهيم جديدة لتيسر التعامل مع المعرفة، ومنها مفهوم التشاركية في المعرفة، وتعني التشاركية في المعرفةتشجيع الموظفين على التأثيربنشاط فيتطوير وتنفيذ القراراتالمؤثرة في وظائفهم، حيث أن للتشاركية في المعرفة فوائدعديدة مشتقة من السماح للمرؤوسين بالمشاركة في القرارات المتعلقة بوظائفهم، وبسهولة تدوالها عند الحاجة (عبودي، 2008).

وتشير الدليمي (2013: 12) الى ان التشاركية في المعرفة تعني “مجموعات من الأفراد تربطهم مصلحة مشتركة ويتعلمون من بعضهم البعض ويتشاركون المعرفة التي تتعلق بموضوعات مختلفة من خلال التفاعل فيما بينهم وبين مصادر المعرفة”. ویشیرالقرني (2009) إلىأن التشاركية في المعرفة تعني “العملیة المنهجیةالمنظمة للاستخدام الخلاق للمعرفة من خلال نشرها وتداولها وامتلاكا من قبل جميع الموظفين في المؤسسة؛ من أجلاستثمار رأس المالالفكري لدى أفرادها”. وتعرف التشاركية في المعرفة ايضاً بأنها “عملیة تبادل المعرفة بین أفراد المنظمة التربویة، وبین المنظمة والأوساط الخارجیة المحیطة بها (المجتمع الخارجي للمؤسسة التربو یة) ویتم هذا التبادل للمعرفة عن طریق التعلم أو الشرح أو التجریب والتطبیق مما یحسن مستوى المعرفة عن طریق تبادل المعرفة والخبرات، وتعد هذه العملیة هي ثمرة عملیات إدارة المعرفة والهدف الذي تسعى إدارة المعرفة إلى تحقیقه” (عودة، 2010).

أهمیة التشاركية في المعرفة

لقد أصبحت المعرفة في هذا العصر مصدر الثروة الأول والأكثر أهمیة وحیویة للمؤسسات التربوية، فلكل عصر ثروته، وثروة هذا العصر(عصر العولمة وعالمیة المعرفة وتكنولوجیا المعلومات والاتصالات) هي المعرفة بلا منازع، والأقدر على إدارتها بشكل فاعل هو الأجدر بالنجاح. ویحدد الزیادات (2008) بعض العناصر التي تبرز أهمیة التشاركية في المعرفة، وتتمثل في النقاط التالیة :

– تعد التشاركية في المعرفة فرصة كبیرة للمؤسسات التربوية لتجويد خدماتها التعليمية.

– تعد التشاركية في المعرفة عملیة نظامیة تكاملیة لتنسیق أنشطة المؤسسة التربوية في اتجاه تحقیق أهدافها.

– تعد إدارة المعرفة أداة المؤسسة التربوية الفاعلة لاستثمار رأسمالها الفكري، من خلال جعل الوصول إلى المعرفة المتولدة عنها بالنسبة للأشخاص الآخرین المحتاجین إلیها عملیة سهلة وممكنة .

– تدعم التشاركية في المعرفة الجهود للاستفادة من جمیع الموجودات الملموسة وغیر الملموسة، بتوفیر إطار عمل لتعزیز المعرفة التنظیمیة.

وقد لخص (عودة، 2010) اهمية التشاركية في المعرفة في إسهامها في تعظیم قیمة المعرفة ذاتها عبر التركیز على المحتوى، وفي تحويل المؤسسات إلى مجتمعات معرفیة تتكیف مع التغییرات المتسارعة، وجعل المؤسسة قادرة على الحركة والتطوره والنضج وإعادة التشكیل، وتحفيز الإبداع والابتكار.

أهداف التشاركية في المعرفة

إن التشاركية في المعرفة ليس ترفاً فكرياً بقدر ما هو ضرورة، وقد حدد كل من (الزيادات، 2008؛ عليان، 2008؛ الملكاوي، 2007) أهداف التشاركية في المعرفة كما يأتي:

– تحدید المعرفة الجوهریة وكیفیة الحصول علیها وحمایتها.

– بناء إمكانات التعلم وإشاعة ثقافة المعرفة والتحفیز لتطویرها والتنافس من خلال الذكاء البشري.

– حفظ المعرفة وتخزینها بالأماكن المخصصة لها .

– المساعدة على بناء ما یسمى متخصصي المعرفة وهم العاملین في مجال التعليم الذین لدیهم معلومات حول موضوع أو تخصص ما.

– السعي إلى إیجاد القیادة القادرة على بناء النظام المعرفي، وتولي إدارة النشاطات في المؤسسات التعلیمیة ذات العلاقة بإدارة المعرفة.

– إیجاد الطرق المناسبة لتبادل المعرفة بین عناصر المؤسسات التعلیمیة والبیئة المحیطة بها.

– تأمین سهولة الوصول إلى المعرفة من قبل العاملین وكذلك الباحثین في المؤسسة أو مراكز البحوث المتعاونة دون أن یؤثر ذلك على سریة أو دقة البیانات.

– تأمین إمكانیة أغناء المعرفة وتطویرها عن طریق الملاحظات والتعدیلات المقترحة من خلال

التطبیق، وهو ما یسمى (الأعمال التصحیحیة) و (الأعمال الوقائیة).

– التعریف والتوعیة بشكل شمولي لمعنى إدارة وتطویر المعرفة ونشره بین التربویین.

– استخدام المعرفة وتطبیقاتها التكنولوجیة في الحیاة العملیة.

– تطویر المؤسسة التربوية من خلال تحسین أداء العاملین فيها عن طریق توسیع المعرفة لدیهم.

فوائد التشاركية في المعرفة

إن التشاركية في المعرفة تعني العمل على إیجاد علاقة تفاعلیة بین العاملین في المؤسسة، أو بین المؤسسات الأخرى، وحتى یتحقق ذلك لا بد من وجود ثقة متبادلة بین كافة الأطراف المشاركة حتى تعم الفائدة، ویمكن ذكر بعض فوائد التشاركية في المعرفة المرجوة من خلال النقاط التي ذكرها ناصر (2006)، وهي كما يأتي:

– إن جمع المعرفة وتصنیفها في المؤسسة التعلیمة یسهل استخدامها في تطویر المعارف.

– إن المعرفة المنظمة بشكل جید تسهل عملیة الاستفادة منها والتحول إلى التطبیق العملي.

– إمكانیة استخدام المعرفة في تطبیقات مختلفة.

– سهولة تحدید العلاقة بین المعرفة والتوسع المطلوب بناء على تحلیل النتائج.

– سهولة الحصول على معارف جدیدة من خلال جسر الفجوة بین المعارف المتوفرة، والمعارف الجدیدة.

ویلخص الزيادات (2008) أهم فوائد تطبیق التشاركية في المعرفة على المؤسسات التربویة، من خلال النقاط التالیة:

– المساهمة في نشر الوعي بمجال العمل.

– نقل الخبرات من جیل لآخر ضمن المؤسسة الواحدة و تطویرها بما یرفع مستوى بیئة العمل.

– الربط بین كافة مصادر المعرفة التي تتعلق بالمؤسسة، تطبیقا و إنشاء تطویرا وإ دارة، سواء في داخل المؤسسة أو من خارجها مع جهات أخرى لها نفس الاهتمامات.

– توفیر القاعدة المعرفیة لبناء الكوادر البشریة الفنیة والإداریة اللازمة لتطویر التقنیات المرتبطة بمجال عمل المؤسسة.

– توفیر المرونة اللازمة لإجراء التعدیلات التي یفرضها تنامي الوعي العام والتقدم في التقنیة دون المساس بإستراتیجیات المؤسسة التربوية الأساسیة.

– الابتكار والإبداع وتقدیم خدمات تربوية ذات جودة عالیة.

– تطویر الابتكار وتحسین الخدمات الجدیدة.

– زیادة رضا الموظفین و العملاء المستفیدین من خدمات المؤسسة التربوية.

و تعد التشاركية في المعرفة ضرورة للمؤسسات التربوية لأنها تتيح تبادل ومشاركة أفضل الأفكار؛ مما یتیح استفادة أكبر للموارد البشرية المتاحة وبناء بيئة أحسن للابتكار والتطور والإبداع. ویمكن لعملیة التشارك في المعرفة في المؤسسات التربویة أن تتم عن طریق عدد من الوسائل، أوضحها عودة (2010) كما يأتي: المقابلات، والاجتماعات، وتكنولوجیا المعلومات، وشبكات الانترنت المتوفرة، وقواعد البیانات المتوفرة لدى المؤسسة، والمحاضرات التي تعقدها المؤسسة، والبوابة الإلكترونیة للمؤسسة، والكتیبات والمقالات الصادرة عن المؤسسة، والندوات التثقیفیة، والتدریب أثناء العمل للعاملین في المؤسسة، ومن خلال تشكیل فرق عمل لدراسة المشكلات التي تواجه المؤسسة.

العوامل التي تحد من التشاركية في المعرفة

أشارت الغامدي (2008) إلى أن هناك بعض العوامل التي تحد من التشاركية في المعرفة، ذكرت منها ما يأتي:

– الخوف من حصول الناس الآخرین على ما یمتلكه أصحاب المعرفة من معرفة.

– مخاوف أصحاب المعرفة من أن یفقدوا سلطتهم وقوتهم بفقدانهم مصدر القوة التي یتمتعون بها.

– مخاوف من احتمالیة أن تكون منظمتهم تدعم الفردیة والتنافسیة.

– مخاوف من أن یتم نقل المعرفة “الخطأ ” وبالتالي تعریض المنظمة والآخرین للضرر.

– الشعور بانتفاء الفائدة والمصلحة الشخصیة، فالأفراد الذین هم على استعداد لإشراك الآخرین فیما لدیهم من معرفة من المتوقع أن یحجموا عن إشراك الآخرین فیما یمتلكونه من معرفة إن لم یكن لدیهم إحساس أو شعور بأن ثمة فائدة أو تعویض ینتظرهم.

وقد تتم التشاركية في المعرفة من خلال طريقتين، هما:

أولاً: الطریقة العفویة: تتم من خلال الحوار والنقاش بین أفراد المؤسسة، عن طریق طرح أحد أفرادها لمعرفة جدیدة یرغب إخبارها لزملائه.

ثانياُ: الطریقة الرسمیة: تتم من خلال النظام الإداري المتبع في المؤسسة، وتشمل معلومات أو معارف جدیدة ترغب الإدارة بإكسابها للموظفین في المؤسسة، ویتم ذلك من خلال المنشورات والدورات التدریبیة أو المؤتمرات التي تقوم الإدارة بعقدها للموظفین.

إن المدرسة كمؤسسة تربوية تسعى إلى توجيه الموارد البشرية والمادية فيها نحو تحقيق أهداف محددة، ولكن تحقيق الأهداف بفاعلية يتطلب معلمين يمتلكون كفايات تربوية عالية، لهذا نجد أن الإدارة التربوية تدعم تشارك المعرفة بين المعلمين لتطوير كفاياتهم التربوية، ولهذا فقد سعت الدراسة للكشف عن واقع التشاركية في المعرفة بين معلمي المرحلة الأساسية في الأردن.

 

  • لا يجوز الاقتباس واعادة النشر للمحتوى المنشور إلا بموافقة رسمية من موقع شؤون تربوية .

المراجع

الدليمي، ريم ( 2013 ). سلوك المعرفة التشاركية ودورها في العلاقة بين متطلبات شبكات الإتصالات العالمية وفاعلية مجتمع الممارسة “دراسة ميدانية في قطاع الإتصالات”. رسالة ماجستير منشورة, جامعة الشرق الأوسط، عمان، الأردن.

الزیادات، محمد ( 2008 ) .اتجاهات معاصرة في إدارة المعرفة، عمان: دار صفاء للنشر والتوزیع. عبوي، زيد (2008) القيادةودورهافيالعمليةالإدارية، دار البدايةناشرون وموزعون، الطبعةالاولى، عمان.

العتیبي ، یاسر (2007). إدارة المعرفة وإمكانیة تطبیقها في الجامعات السعودیة: دراسة تطبیقیة على جامعة أم القرى. رسالة دكتوراه غیر منشورة، كلیة التربیة جامعة أم القرى، مكة المكرمة. عودة، فراس (2010) واقع إدارة المعرفة في الجامعات الفلسطينية وسبل تدعيمها. رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة الإسلامية، غزة. الغامدي،

نوال (2008). إدارة المعرفة كمدخل لتطویر الإدارة التعلیمیة للبنات بمحافظة جدة: دراسة على واقع استخدام إدارة المعرفة بمحافظة جدة قسم البنات. رسالة ماجستیر غیر منشورة، كلیة التربیة جامعة أم القرى، مكة المكرمة.

القرني، علي (2009). متطلبات التحول التربوي في مدارس المستقبل الثانویة بالمملكة العربیة السعودیة في ضوء تحدیات اقتصاد المعرفة. رسالة دكتوراه غیر منشورة، كلیة التربیة جامعة أم القرى، مكة المكرمة. الملكاوي، إبراهیم (2007). إدارة المعرفة: الممارسات والمفاهیم. عمان: دار الوراق.

ناصر، أكرم (2006). نظم إدارة المعرفة ودورها في تفعیل عملیة البحث والتطویر. ورقة عمل مقدمة للمؤتمر الرابع حول (آفاق البحث العلمي والتطویر التكنولوجي في الوطن العربي)، دمشق، من 11 14 كانون أول 2006.

 

مواضيع ذات صلة