الجامعات الاردنية و ثقافة التميز في البحث العلمي!

الجامعات الأردنية وثقافة التميز في البحث العلمي!

الأستاذ الدكتور محمد صايل الزيود، أستاذ قسم القيادة وأصول التربية، كلية العلوم التربوية، الجامعة الأردنية

يعد البحث العلمي أحد أهم محركات التنمية والتطوير ومواجهة التحديات والمشكلات التي تعترض مسيرة المجتمعات الإنسانية على حد سواء، وتنفرد جامعات الدول المتقدمة ببناء ثقافة التميز والإبداع في البحث العلمي على نحو هيئ لها القدرة على تقديم حلول للمشكلات والتحديات والأزمات، وخير دليل على ذلك، الدور الذي قامت به دول العالم المتقدم من خلال جامعاتها ومؤسساتها العلمية البحثية في إجراء البحوث وإنتاج اللقاحات والعلاجات اللازمة لمواجهة وباء كورونا المستجد. لقد خرجت الدول المتقدمة فقط باللقاحات المأمونة لتحصين البشرية وباتت الدول النامية وجامعاتها تنتظر الفتح وتنتظر وصول المطاعيم التي أنتجت بفعل العلم والمعرفة والتميز بالبحث من خلال مختبرات وتجهيزات وعلماء  اعدتهم الجامعات للمؤسسات والشركات البحثية المتخصصة.

ويقف خلف النهضة العلمية للجامعات المتقدمة وتقديمها حلول للمشكلات التي تواجه البشرية ثقافة متجذرة عنوانها ثقافة التميز في البحث العلمي والتي تستند على إجراء بحوث علمية لغايات موضوعية تقوم على الابتكار للجديد في العلم والتقنية والتكنولوجيا ومعالجة عميقة جذرية للأزمات بكافة صورها وأشكالها، وليست ثقافة إجراء البحوث العلمية لغايات قاصرة ومحدودة للترقيات الأكاديمية أو الحصول على تمويل لبحث شكلي لا يقدم ولا يؤخر في حياة المجتمعات والدول.

إن ثقافة التميز في البحث العلمي تعني بحث علمي لغايات علمية صادقة تقوم على تقديم حلول جوهرية ناجعة للأزمات التي تعيق التنمية والتطور أو تشكل تحدي وخطر يواجه الإنسانية وذلك من خلال جهود بحثية متخصصة ومتمرسة وفي بيئات معنوية داعمة تؤمن بالبحث العلمي وتوفر له كل دعم لازم ليتميز ويأتي بنتائج تحول المخاطر والتحديات والمحن لفرص حقيقة للنهضة وبالتالي حياة رفاه دائمة جوهرها الإنسان. إن ثقافة التميز بالبحث العلمي تتطلب وجود دعم لا محدود من القيادات الجامعية لتكريس هذه الثقافة على اعتبار أن البيئة الوحيدة المعنية بالبحث العلمي حتى الآن أردنيا وعربيا هي البيئات الجامعية والتي ما زالت تفتقر للدعم الملائم لتكريسها وجعلها واقع حي معاش.

إن القيادات الجامعية تتحمل مسؤولية مهنية ووطنية وأخلاقية للنهوض بالبحث العلمي وتجذير ثقافة التميز لينعم من خلالها العلماء وأعضاء هيئات التدريس والفرق البحثية ببيئات غنية بالمعدات والتجهيزات والخبرات والتمويل وبالتالي ينتقل البحث العلمي من وضعه التقليدي الراهن والقائم على مواد وأدوات ونتائج لا تقدم حلول حقيقية لمشكلاتنا في مختلف القطاعات والمجالات الى بحث يضع الحلول العلمية الخالصة لجوانب الخلل في الصناعة والزراعة والطب والهندسة والطرق والمواصلات والتربية والتعليم والاجتماع والثقافة وغيرها من مجالات الحياة. إن خلق ثقافة التميز في البحث العلمي يوجب إيمان القيادات الجامعية بأهمية البحث العلمي وضرورته ودوره في حياة المجتمعات والدول وفي جميع القطاعات وأن تأخذ هذه القيادات الدور الريادي في استقطاب خيرة الخيرة من الباحثين والعلماء ليتولوا مسؤولية خلق وتشكيل الفرق البحثية في كل مجال تخصصي وأن تنظر لهذه الفرق البحثية ودورها بعين الرعاية والاهتمام لتقوم بدورها في إنتاج بحوث علمية حقيقية ترى نتائجها في حياة المجتمعات وأن توفر ما يلزم من تمويل وفقا لضوابط ومعايير ومحكات علمية دقيقة تضبط الجودة والنوعية وتحدد جدوى البحث الذي يتم إنتاجه وطنيا أو عالميا.

كما أن تكريس ثقافة التميز في البحث العلمي يتطلب تشريعات واضحة ومحددة وموضوعية تؤسس لهذه الثقافة وتضمن أن يأتي البحث العلمي بالجديد ويعالج الأزمات والمشكلات بحلول دائمة عملية مبتكرة. وان خلق هذه الثقافة يلزم لجوء الجهات الرسمية والخاصة للبحث العلمي ونتائجه بإعتباره  الأداة الوحيدة لمواجهة المشكلات صغيرها وكبيرها بعيدا عن الحلول القائمة على الارتجال.

إن بناء ثقافة التميز في البحث العلمي في جامعاتنا من شأنه أن يضعنا وطنيا على الساحة العالمية ولو بالحد المعقول من الإنفاق إذا ما تم بناء هذه الثقافة وفقا للضوابط وافضل الممارسات العالمية المتعارف عليها، خاصة أن معدل الإنفاق وطنيا وعربيا على البحث العلمي لا زال غاية في المحدودية إذا ما قورن بما تنفقه الدول المتقدمة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن محدودية هذا الإنفاق يرافقها خيارات ومشاريع بحثية بنتائج ليست ذات أثر واضح في التنمية والتطور والنهضة أو في مواجهة التحديات والأزمات التي تعيشها مجتمعاتنا.

إن الواجب الوطني والمسؤولية المهنية الملقاة على عاتق جامعاتنا تفرض خلق ثقافة التميز في البحث العلمي بضوابط التميز العالمية بعيدا عن واقع الحال الذي نعيشه حاليا والمتمثل بإنتاج بحثي لغايات تقليدية لا تخدم المساعي المبذولة للنهضة. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مواضيع ذات صلة