سُبل مواجهة الأزمات

سُبل مواجهة الأزمات

أ. د. محمد صايل الزيود، قسم القيادة التربوية والأصول، كلية العلوم التربوية، الجامعة الأردنية

عشنا في السنوات الأخيرة- حتى قبل عدة أيام- فواجع وأزمات أودت بحياة العشرات من المواطنين أو تركت خسائر مادية بالغة، وقد عشنا فاجعة البحر الميت وفاجعة مستشفى السلط وأخيرا فاجعة العقبة، إلى جانب العديد من الحوادث التي أثرت على حياة الناس بشكل مباشر ومن ذلك حادث انقطاع التيار الكهربائي وغيرها الكثير من الحوادث التي أشغلت الرأي العام وزعزعت ثقة الناس بالمؤسسات الوطنية وحرفتيها، وعلى الرغم من الإقرار بأن حدوث فواجع وأزمات وحوادث أمر يحدث في أي دولة، بما في ذلك أكثر دول العالم تقدما وإمكانات وقدرات، إلا أن ذلك ليس بالمبرر لقبول حدوث هذه الأزمات. ولعل السؤال الذي يُطرح لماذا تحدث هذه الأزمات وهل من سبيل لتفادي حدوثها؟

يتفق الجميع على أننا نملك مؤسسات وطنية قادرة على التعامل مع الأزمات عند حدوثها بكفاءة وحرفية وعلى وجه الخصوص الجيش والمؤسسات الأمنية التي وقع على عاتقها معالجة هذه الأزمات والتعامل معها بكل حرفية، لكننا حتى الآن نشهد عدم قدرة في تجنب حدوث هكذا أزمات نتيجة لضعف في الإجراءات المؤسسية والاحترازية الواضحة والمحددة التي تقوم عليها مؤسسات وخبرات وكفاءات متخصصة تعمل وفقا لبروتوكولات مهنية تخضع للمراجعة والتقييم والتدقيق والتطوير، كما تخضع للمساءلة والمحاسبة لضمان جودة عملها وتجنب أي خلل مهما صغر حجمه.

إن عدم قدرتنا على تلافي حدوث هكذا أزمات مرده إلى ضعف العمل المؤسسي وضعف في سيادة القوانين والإجراءات التي حل ويحل محلها العمل بالفزعة والحمية وعلى التياسير والهمة، والذي وصلنا إليه بفعل ضعف في القيادات وضعف في الكوادر البشرية التي تعمل وتُسير وتشرف، والذين جاء العديد منهم لاعتبارات غير موضوعية وغير مهنية بفعل الواسطة التي أتت وتأتي بالأضعف ممن جُل همهم المنصب والبقاء به دون إحداث فرق في عمل مؤسساتهم. كما أن عدم قدرتنا على تجنب حدوث هكذا أزمات يرتبط بصورة وثيقة بضعف في المساءلة والمحاسبة والعقوبة للمقصر أو المُهمل على نحو كرس ثقافة “من دخل دار أبي سفيان فهو آمن”.

إن تجنب الأزمات ليس بالأمر المستحيل لكنه يحتاج إلى نظرة شاملة في كيفية العمل المؤسسي في كل قطاع ومؤسسة من حيث الإجراءات المتبعة بدقة، وفي جودة القيادات لتكون من الأكثر جدارة وخبرة وعلما ونزاهة، وفي جودة الكوادر البشرية وتخصصيتها وإنتاجيتها، وفي تطبيق حرفي للمساءلة والمحاسبة وفقا لقوانين وأنظمة وتعليمات منصفة، وفي إشاعة لثقافة العمل والإنجاز والعطاء الحقيقي المرتبط بمؤشرات أداء واضحة وليس بإنجازات وهمية أهمها الزيارات والتفقد والمتابعة.

لقد كُتب ونُشر الكثير حول أسباب ومسببات ومبررات الأزمات التي عاشها المجتمع الأردني في السنوات الأخيرة، إلى جانب كيفية تجنبها مستقبلا، إلا أننا نعيش نفس المشهد من وقت لآخر، حين يتكرر الحادث أو الأزمة من حيث التحليل والتبرير وما يجب فعله لكن دون إجراءات فعليه شاملة تحدث فرق على أرض الواقع.

إن معالجة كل ما نعانيه من مشكلات وتحديات يبدأ بعمل علمي مؤسسي وبسيادة مطلقة للقوانين والأنظمة والتعليمات وبتمكين حقيقي للكفاءات العلمية القيادية وبمساءلة ومحاسبة ونزاهة، بغير ذلك سنشهد حوادث وأزمات وفواجع- لا قدر الله.

 

 

 

 

مواضيع ذات صلة